تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
وبعض هذه الوجودات روحانية وبعضها جسمانية . والروحانية بعضها أشد روحانية من البعض ؟ وهذا اللطف من الحكمة الإلهية ، إذ جعل حدقتك على صغر حجمها بحيث ينطبع فيها صورة العالم والسماوات والأرض على اتساع أكنافها ، ثم يسري من وجودها في الحس وجود إلى الخيال ، ثم منه وجود في القلب فإنك أبدا لا تدرك إلا ما هو واصل إليك ، فلو لم يجعل للعالم كله مثالا في ذاتك لما كان لك خبر مما يباين ذاتك ، فسبحان من دبّر هذه العجائب في القلوب والأبصار ثم أعمى عن دركها القلوب والأبصار ، حتى صارت قلوب أكثر الخلق جاهلة بأنفسها وبعجائبها .
شرح
على ما في الذهن والخيال لا على الحقيقة ، لكن على معنى أنه صورة محاكية لذلك الوجود الحقيقي ، كما أن ما يرى في المرآة يسمى إنسانا لا بالحقيقة ، لكن على معنى أنه صورة محاكية للإنسان الحقيقي ، وكذلك كل شيء فله في الوجود أربع مراتب : وجود في الأعيان ، ووجود في الأذهان ، ووجود في اللسان ، ووجود في البياض المكتوب عليه . ( وبعض هذه الوجودات روحانية وبعضها جسمانية ) ، فالوجود الأوّل والثاني جسمانيان ، والثالث والرابع روحانيان ، ( والروحانيات بعضها أشد روحانية من بعض ) كالوجود العقلي أصفى روحانية من الوجود الخيالي ، ( وهذا لطف من الحكمة الإلهية إذ جعل حدقتك على صغر حجمها بحيث تنطبع فيها صورة العالم و ) من جملته ( السماوات والأرض على اتساع أكنافها ) أي جوانبها ، ( ثم سرى من وجوده في الحس وجوده في الخيال ، ثم منه وجود في القلب ) وهذا الوجود أقوى ، وإنما يحجب منه ما يحجب بسبب صفات بين مقارنة له تضاهي لحجاب العين عن نفسه عند تغميض الأجفان ، ( فإنك أبدا لا تدرك إلا ما هو واصل إليك فلو لم يجعل للعالم كله مكانا في ذاتك لما كان لك خبر مما يباين ذاتك ، فسبحان من دبّر هذه العجائب في القلوب والأبصار ، ثم أعمى عن دركها القلوب والابصار حتى صارت قلوب أكثر الخلق جاهلة بأنفسها ) ومن جملة هذه العجائب الصورة الإنسانية مرتبة بموجب المشاكلة التي بين عالمي الملك والملكوت على صورة الرحمن وفرق بين أن يقال على صورة الرحمن وبين أن يقال على صورة اللّه لأن الرحمة الإلهية هي التي صورت الحضرة الإلهية بهذه الصورة ، ثم أنعم على آدم فأعطاه صورة مختصرة جامعة لجميع أصناف ما في العالم لأن كل ما في العالم هو نسخة من العالم مختصرة ، وصورة آدم أعني هذه الصورة المكتوبة بخط اللّه فهو الخط الإلهي المنزه من أن يكون رقم حروف ، ولولا هذه الرحمة لعجز الآدمي عن معرفة ربه إذ لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه ، فلما كان هذا من آثار الرحمة صار على صورة الرحمن لا على صورة اللّه ، فإن حضرة الإلهية غير حضرة الرحمة ، ولولا هذا المعنى لكان قوله : إن اللّه خلق آدم على صورة الرحمن كما هو لفظ الصحيح غير منظوم لفظا ، وهذا الأنموذج يهديك إلى أن غالب الخلق قد جهلت أنفسها كما جهلت الآفاق وهذا وأمثاله بحر لا ساحل له .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 462 | مرتضى الزبيدي