تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
والملك أيضا يحاكي عالم الملكوت نوعا من المحاكاة . فأما انفتاح باب القلب إلى الاقتباس من الحواس فلا يخفى عليك ؛ وأما انفتاح بابه الداخل إلى عالم الملكوت ومطالعة اللوح المحفوظ فتعلمه علما يقينا بالتأمل من عجائب الرؤيا واطلاع القلب في النوم على ما سيكون في المستقبل أو كان في الماضي من غير اقتباس من جهة الحواس ، وإنما ينفتح ذلك الباب لمن انفرد بذكر اللّه تعالى ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « سبق المفرّدون » قيل :
شرح
مفتوح إلى الحواس الخمس المتمسكة بعالم الشهادة والملك وعالم الشهادة والملك أيضا يحاكي عالم الملكوت نوعا من المحاكاة ) لأنه على موازنته ، فما من شيء من عالم الملك إلا وهو مثال شيء من عالم الملكوت كما ذكرنا ، وربما كان الشيء الواحد مثالا لأشياء من عالم الملكوت ، وربما كان للشيء الواحد من عالم الملكوت أمثلة كثيرة من عالم الملك ، وإنما يكون مثالا إذا ماثله نوعا من المماثلة وطابقه نوعا من المطابقة واستيفاء ذلك عسير الضبط ، وقد أشرنا إلى بعضها قريبا وعلم التفسير يعرفك منهاج ضرب المثال لأن الرؤيا جزء من النبوّة أما ترى أن الشمس في الرؤيا تعبيرها السلطان لما بينهما من المشاركة والمماثلة في معنى روحاني وهو الاستيلاء على الكافة مع فيضان الأنوار على الجميع والقمر تعبيره الوزير لإفاضة الشمس نورها بواسطة القمر على العالم عند غيبتها كما يفيض السلطان آثاره بواسطة الوزير على من يغيب عن حضرة السلطان ، وإن من يرى أن بيده خاتما يختم به أفواه الرجال وفروج النساء فإنه يعبر به أنه مؤذن يؤذن قبل الصبح في رمضان ، ومن رأى أنه يصب الزيت في الزيتون تعبيره أنه يطؤ جارية هي أمه وهو لا يعرف وغير ذلك مما يزيد أنسا بهذا الجنس . ( فاما انفتاح باب القلب إلى الاقتباس من الحواس فلا يخفى عليك ) فإن غالب العلوم كذلك ، ( وأما انفتاح بابه الداخل إلى عالم الملكوت ومطالعته اللوح المحفوظ فتعلمه علما يقينيا بالتأمل في عجائب الرؤيا واطلاع القلب في النوم على ما سيكون في المستقبل ، أو كان في غير الماضي من غير اقتباس ) في ذلك ( من جهة الحواس ) الظاهرة ، ( وإنما ينفتح ذلك الباب لمن أفرد ذكر اللّه تعالى : قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « سبق المفردون » ) روي بتشديد الراء وتخفيفها والتخفيف هو الذي جنح إليه الحكيم الترمذي كما سيأتي كلامه وإياه تبع المصنف . وقال النووي في الأذكار ، والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد اه . وقال الحافظ : والراء مفتوحة وقيل مكسورة . ويقال : فرد الرجل مشددا ومخففا وتفرد وأفرد الكل بمعنى اه . وقال غيره فرد بالتشديد إذا اعتزل وتخلى للعبادة فكأنه أفرد نفسه بالتبتل إلى اللّه تعالى والمعنى سبقوا بنيل الزلفى والعروج إلى الدرجات العلى .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 464 | مرتضى الزبيدي