تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
ويعمد إلى عمق القلب بتطهيره ورفع طبقات الحجب عنه حتى تنفجر ينابيع العلم من داخله . فإن قلت : فكيف ينفجر العلم من ذات القلب وهو خال عنه ؟ فاعلم أن هذا من عجائب أسرار القلب ولا يسمح بذكره في علم المعاملة بل القدر الذي يمكن ذكره أن حقائق الأشياء مسطورة في اللوح المحفوظ ، بل في قلوب الملائكة المقربين ، فكما أن المهندس يصوّر أبنية الدار في بياض ثم يخرجها إلى الوجود على وفق تلك النسخة ، فكذلك فاطر السماوات والأرض كتب نسخة العالم من أوله إلى آخره في اللوح
شرح
يتطرق إليه شيء من الأخبار ( ويعمد إلى عمق القلب ) أي باطنه ( بتطهيره ) من الوساوس والأرجاس ( ورفع طبقات الحجب عنه حتى يتفجر ينبوع العلم ) الإلهي ( من داخله ) فيستغني عن مدد المعارف من فوق . ( فإن قلت : وكيف ينفجر العلم من ذات القلب وهو خال عنه ) والأرض من شأنها إذا حفرت نبع منها الماء لكونه موجودا في عروقها الباطنة ، وعند الاستنباط يحصل له الظهور ، وكيف يتصوّر هذا في القلب وليس فيه من المعارف ما هو كامن فيه حتى إذا صفا عن كدورات ظهرت تلك المعارف ظهور الماء من الأرض ، ( فاعلم أن هذا من عجائب أسرار القلب ولا يسمح بذكره في علم المعاملة ) لأنه من وراء طور العقل ، ( والقدر الذي لا يمكن ذكره ) الآن هو ( أن حقائق الأشياء ) بأسرها ( مسطورة ) بالقلم الأعلى ( في اللوح المحفوظ ) عنده ، ( بل ) أزيد على ذلك وأقول هي مسطورة أيضا ( في قلوب الملائكة المقربين ) وبيان ذلك أن الأنوار السمائية التي تقتبس منها الأنوار الأرضية مرتبة بحيث يقتبس بعضها من بعض ، فالأقرب من المنبع الأول أعلى رتبة وهكذا ترتيب في عالم الشهادة ولا يفهم ذلك إلا بمثال وهو أن يفرض ضوء القمر داخلا في كوة بيت واقعا على مرآة منصوبة على حائط ومنعكسا منها إلى حائط آخر في مقابلتها ثم منعطفا منها إلى الأرض بحيث تستنير منه الأرض ، فأنت تعلم أن ما على الأرض من النور تابع لما على الحائط وما على الحائط تابع لما على المرآة وما على المرآة تابع للقمر وما في القمر تابع لما في الشمس . إذ منها يشرق النور على القمر ، وهذه الأنوار الأربعة مرتبة بعضها أعلى من بعض وأكمل من بعض ، ولكل واحد مقام معلوم ودرجة خاصة لا تتعداه ، فاعلم أنه قد انكشف لأرباب البصائر أن الأنوار الملكوتية إنما وجدت على ترتيب كذلك ، وأن القرب هو الأقرب إلى النور الأقصى فلا يبعد أن يكون ما في اللوح منتقشا في قلوب المقربين من الملائكة لقرب درجاتهم من حضرة الربوبية التي هي منبع الأنوار والأسرار ، ( وكما أن المهندس ) وهو مقدر مجاري القنى والآثار ( يسطر صورة أبنية الدار في بياض ) أوّلا فيجعلها نسخة وهو الوجود الذهني ، ( ثم يخرجها إلى الوجود ) الخارجي ( على وفق تلك النسخة ، فكذلك فاطر السماوات والأرض ) أي مبدعهما بلا مثال سابق ( كتب نسخة العالم ) وهو ما سوى اللّه ( من أوله إلى