بيان الفرق بين المقامين بمثال محسوس :
اعلم أن عجائب القلب خارجة عن مدركات الحواس ، لأن القلب أيضا خارج عن إدراك الحس وما ليس مدركا بالحواس تضعف الأفهام عن دركه الا بمثال محسوس .
ونحن نقرب ذلك إلى الأفهام الضعيفة بمثالين :
أحدهما : أنه لو فرضنا حوضا محفورا في الأرض احتمل أن يساق إليه الماء من فوقه بأنهار تفتح فيه ، ويحتمل أن يحفر أسفل الحوض ويرفع منه التراب إلى أن يقرب من مستقر الماء الصافي ، فينفجر الماء من أسفل الحوض ويكون ذلك الماء أصفى وأدوم وقد يكون أغزر وأكثر . فذلك القلب مثل الحوض ، والعلم مثل الماء ، وتكون الحواس الخمس مثل الأنهار . وقد يمكن أن تساق العلوم إلى القلب بواسطة أنهار الحواس والاعتبار بالمشاهدات حتى يمتلئ علما ، ويمكن أن تسد هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغض البصر
شرح
إلى أحسن المحامل والجمع بينها على أحسن الوجوه ، وهو في هذه متى يتفرغ لتصفية القلب عن الغير وهو قد ملأه بالغير . وهذه الوجوه والمناقضات متى انتقشت في لوح القلب خصوصا من زمن الصغر فإن إزالتها عسيرة جدا فكيف ينكشف له ما لم ينكشف لغيره وهو بعد مشحون القلب ولا تتم المجاهدة : إلّا بتخليته عن ذلك كله . فتأمل فيما أشرت إليك ولا تعجل في ردّه ولا عليك أن تتأنى في فهمه فإن المواهب لا حرج عليها .