كان قد أتقن العلم من قبل لانفتح له وجه التباس ذلك الخيال في الحال ، فالاشتغال بطريق التعلم أوثق وأقرب إلى الغرض وزعموا أن ذلك يضاهي ما لو ترك الإنسان تعلم الفقه . وزعم أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتعلم ذلك وصار فقيها بالوحي والإلهام من غير تكرير وتعليق ، فأنا أيضا ربما انتهت بي الرياضة والمواظبة إليه ، ومن ظن ذلك فقد ظلم نفسه وضيع عمره ، بل هو كمن يترك طريق الكسب والحراثة رجاء العثور على كنز من الكنوز ، فإن ذلك ممكن ولكنه بعيد جدا ، فكذلك هذا . وقالوا : لا بد أوّلا من تحصيل ما حصله العلماء وفهم ما قالوه ثم لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما لم ينكشف لسائر العلماء فعساه ينكشف بعد ذلك بالمجاهدة .
شرح
قبل لانفتح له وجه التباس ذلك الخيال في الحال ) وقد يجاب عن ذلك بأن تلك الخيالات الفاسدة التي تتشبث بالقلب إنما منشؤها تلك العلوم التي تعلمها وظن في نفسه أنها معارف موصلة وفي الحقيقة هي القواطع عن الطريق وهي التي لا تفي الأعمار في تحصيلها . وأما السالك الذي بصدد تصفية قلبه من الكدورات الوهمية ، فهو على هدى من ربه إن اعتل بدنه أو فسد مزاجه فحصل له بذلك تفرقة خاطر فهو معذور عند اللّه ، وإن مات فقد وقع أجره على اللّه . وحقيق أن يقال هو عاشق إن مات ليلة وصاله لا يلام ، ثم قالوا : ( والاشتغال بطريق التعليم أوثق وأقرب إلى الغرض ) وهو صحيح في نفسه ولكن كم من مشتغل في طريق التعلم قد جرّه علم إلى علم آخر فلم يتبع علما فعلما ولا كتابا فكتابا حتى يأتيه الأجل وهو لم يتم العمل به بل جذبه إلى الخوض فيما لا يعنيه ، وأما من اشتغل بتعلم ما يهتدي به مقتصرا على الواجب منه ، ثم اهتدى إلى السلوك فهذه أقل من قليل وأهل الطريق منهم . ( وزعموا أن ذلك يضاهي ما لو ترك الإنسان تعلم الفقه ، وزعم أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يتعلم ) بالدراسة ، ( ولكن صار فقيها بالوحي ) النازل من السماء ( والإلهام ) الملقى في روعه ( من غير تكرار ) لمسائل علمية ( وتعليق بكتابة فأنا أيضا ربّما انتهي بالرياضة إليه ) ويحصل لي الفتوح بالفقه في الدين ، ( ومن ظنّ ذلك فقد ظلم نفسه ) وضيع عمره فيما لا يعني بل هو كمن ترك طريق الكسب والحراثة بالأرض ( رجاء العثور على كنز من الكنوز ) يفتح له فيأخذ منه ما يستغني به ، ( فإن ذلك ممكن ) في العقل ( وهو بعيد جدا فكذلك هذه ) وهذان المثالان صحيحان ، ولكن ليس في السالكين طريق الحق من يخطر بباله شيء من ذلك وحاشاهم من ذلك . نعم من المتشبه بهم في الطريق أو المتشيع بما ليس له قد يمكن أن يقع منه ، ولكن لا كلام مع هؤلاء والصادقون في سلوكهم على خلاف ذلك فلا ينسب الزعم المذكور إليهم ( فقالوا : لا بدّ أوّلا من تحصيل ما حصله العلماء وفهم ما قالوه ، ثم لا بأس بعد ذلك بالانتظار لما لم ينكشف لسائر العلماء فعساه ينكشف بالمجاهدة بعد ذلك ) وهذا مسلم ، ولكن تحصيل ما حصله العلماء وفهم ما قالوه إن كان المراد به على وجه الإحاطة والكمال فالأعمار لا تفي بذلك لاختلاف أقوالهم وأقواتهم ومعارفهم ، فإذا اشتغل بتمييز أقوالهم وتوجيهها