تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 457

مساهمون:

ص٤٥٧
ثمرته واستبعدوا استجماع شروطه ، وزعموا أن محو العلائق إلى ذلك الحد كالمتعذر وإن حصل في حال فثباته أبعد منه ، إذ أدنى وسواس وخاطر يشوّش القلب ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « قلب المؤمن أشد تقلبا من القدر في غلمانها » . وقال عليه أفضل الصلاة والسلام : « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » وفي أثناء هذه المجاهدة قد يفسد المزاج ويختلط العقل ويمرض البدن ، وإذا لم تتقدم رياضة النفس وتهذيبها بحقائق العلوم نشبت بالقلب خيالات فاسدة تطمئن النفس إليها مدة طويلة إلى أن يزول وينقضي العمر قبل النجاح فيها ، فكم من صوفي سلك هذا الطريق ثم بقي في خيال واحد عشرين سنة ولو
شرح
شرطوها ، ( وزعموا ان محو العلائق إلى ذلك الحد ) الذي حددوه ( كالمتعذر ) على الإنسان ، ( وإن حصل في حالة فثباته أبعد منه إذ أدنى وسواس و ) أقل ( خاطر يشوش القلب ) وهم قالوا إن نفي الخواطر الثلاثة لازم للمريد أعني النفسية والشيطانية والملكية ، وأنه لا بدّ من إثبات الخاطر الحقاني ومعرفة الخواطر وتمييزها عسر ، ولا تتم معرفة ذلك وتمييزها إلا لمن تحلى بالتقوى والزهد وأكل الحلال الطيب دائما وأنّى يتيسر ذلك لكل أحد في كل وقت ، وأنه يلزم المريد دائما مراقبة خواطره ولا يترك خاطر الغير يمر بباله وكل ذلك صعب المنال قريب المحال . ( قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « قلب المؤمن أشد قلبا من القدر في غليانها » ) قال العراقي : رواه أحمد والحاكم وصححه من حديث المقداد بن الأسود اه . قلت : ولفظ القوت : القدر إذا استجمعت في غليانها ، وسيأتي قريبا في آخر هذا الكتاب . ( وقال ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » ) قال العراقي : رواه مسلم من حديث عبد اللّه بن عمر اه . قلت : ولفظ مسلم « إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء » . وكذلك رواه أحمد ، قال النووي : فيه المذهبان التفويض أو التأويل على المجاز التمثيلي كما يقال فلان في قبضتي لا يراد به أنه حال في كفه ، بل المراد تحت قدرتي . فالمعنى أنه سبحانه يتصرف في قلوب عباده وغيرها كيف يشاء لا يمتنع عليه فيها شيء ولا يفوته ما أراده كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين أصبعيه فخاطب العرب بما يفهمونه ومثله بالمعاني الحسية تأكيدا له في نفوسهم . ( وفي أثناء هذه المجاهدة فقد يفسد المزاج ) بطروّ أمراض ويختلط العقل بحصول وسواس ( ويمرض القلب ) بعلل خارجة ، ( وإذا لم تتقدم رياضة النفس وتهذيبها بحقائق العلوم ) الظاهرة ( تشبث بالقلب خيالات فاسدة ) وأوهام باطلة ( تطمئن النفس إليها مدة طويلة ) من الزمان ( إلى أن تزول ) عنها ( والعمر ) لا يفي لذلك ، بل قد ( ينقضي دون النجاح فيها ) والدرك لمطلوبه منها ، فكم من صوفي في سلك هذا الطريق ثم بقي في خيال واحد عشرين سنة وأكثر وأقل ، وكل ذلك لعدم تهذيبه في العلوم . ( ولو كان قد اتقن في العلم من
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 457 | مرتضى الزبيدي