تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 456

مساهمون:

ص٤٥٦
وأما النظار وذوو الاعتبار فلم ينكروا وجود هذا الطريق وإمكانه وإفضاءه إلى هذا المقصد على الندور فإنه أكثر أحوال الأنبياء والأولياء ، ولكن استوعروا هذا الطريق واستبطأوا
شرح
فإن عسر ذلك فليتخيله بصورة نور بسيط محيط بجميع الموجودات العلمية والعينية وليجعله في مقابلة البصيرة ومع حفظ ذلك فليتوجه إلى القلب الصنوبري بجميع القوى والمدارك إلى أن تقوى البصيرة وتذهب الصورة ، ويترتب على ذلك ظهور المقصود . وهذا أقرب من طريق الذكر وأقرب للخدمة الإلهية من غيرها ، ولذلك اقتصر عليها المصنف . ومنها يكون الوصول إلى الوزارة والتصرف في الملك والملكوت ، وبها يمكن الإشراف على الخواطر والنظر إلى الغير بالموهبة وتنوير باطنه ومن ملكتها يحصل دوام الجمعية ودوام قبول القول ، وهذا المعنى يسمى جمعا وقبولا وأما الطريق الرابطة بالشيخ فإنها تفيد فائدة الذكر ، وصحبته تنتج صحبة المذكور ، فينبغي أن يحفظ ذلك الأثر الذي يشاهد من صحبته بقدر الإمكان ، فإن حصل فتور راجع مصاحبته حتى يرجع ذلك الأثر ، وهكذا يفعل مرة بعد أخرى حتى تصير تلك الكيفية ملكة ، وقد يحصل من صحبته محبة وانجذاب فتحفظ صورته في الخيال ويتوجه به إلى القلب الصنوبري حتى تحصل الغيبة والفناء عن النفس ، وقد زاد الخواجة عبد الخالق الفجدواني أحد رجال الطريقة المتقدم ذكره مراعاة حبس النفس في أثناء الذكر والمراقبة وجعله من مباني هذه الطريقة ، وأنه ينبغي الاجتهاد على حفظ ما بين النفسين حتى لا يدخل بغفلة ولا يخرج بغفلة . وقال : إن هذا تلقاه عن الخضر عليه السلام ، فإنه ظهر له في ابتداء سلوكه فعلمه حبس النفس ، وأنه مما يوصل إلى المطلوب في أقرب زمن فلم يمكنه ذلك ، فأمره بأن يغوص في الماء ويفعل ذلك فغاص في الماء وفعله حتى حصله وصار ذلك لمن بعده سنّة متبوعة حتى لا يكاد أهل هذا الطريق يتركونه سواء في الذكر أو في المراقبة وهي زيادة حسنة . قالوا : وإن وقف في أثناء الذكر أو المراقبة تفرق الخاطر فإن كان متعلقا بالأعمال كمثل الميل إلى شراء فرس ونحوه مما هو مباح شرعا فليبادر لفعله أو يخرجه من قلبه حتى تكون تلك الحضرة كعدوّ يبذل جهده في دفعه ، والمقصود مراعاة الوقت فليس شيء أعز من الوقت وإذا فاته لا يتدارك . قالوا : وخطور الأغيار تكون عن رؤية الألوان والاشكال المختلفة ومن مطالعة الكتب ومن الصحبة المفرقة ، فينبغي للسالك أن يكون أياما بغير ملاحظة الأغيار في صحبة شيخ كامل ليحصل له ملكة الحضور ببركته في الجمعية ، ثم يحصل الرضا والتسليم وهما نهاية العبودية والعبادة وكمال الإسلام في التسليم والتفويض هذا خلاصة ما ذكروه ، ولهم في ذلك لطائف عبارات وعجائب إشارات قد أشرنا إليها في مؤلفات مختصرة كتبناها في صور إجازات ، وفيما ذكرناه مقنع للطالب الراغب واللّه أعلم . ولنرجع إلى شرح كلام المصنف قال رحمه اللّه تعالى : ( وأما النظار وذوو الاعتبار ) من العلماء ( فلم ينكروا وجود هذه الطريق وإمكانه وإفضاءه إلى المقصد ) يقع ( على الندور ) والقلة ( فإنه أكبر أحوال الأنبياء والأولياء ) لما فيه من لوامع النهايات ، ( ولكن استوعروا هذا الطريق ) أي استصعبوه ( واستبطأوا ثمرته ) ونتيجته ( واستبعدوا اجتماع شروطه ) التي