والترصد بدوام الانتظار بما يفتحه اللّه تعالى من الرحمة .
فالأنبياء والأولياء انكشف لهم الأمر وفاض على صدورهم النور لا بالتعلم والدراسة والكتابة للكتب ، بل بالزهد في الدنيا والتبرىء من علائقها وتفريغ القلب من شواغلها والإقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى . فمن كان للّه كان اللّه له . وزعموا أن الطريق في ذلك أولا بانقطاع علائق الدنيا بالكلية وتفريغ القلب منها وبقطع الهمة على الأهل والمال والولد والوطن وعن العلم والولاية والجاه بل يصير قلبه إلى حالة يستوي فيها وجود كل شيء وعدمه ، ثم يخلو بنفسه في زاوية مع الاقتصار على الفرائض والرواتب ، ويجلس فارغ القلب مجموع الهم ، ولا يفرق فكره بقراءة قرآن ولا بالتأمل في تفسير ولا بكتب حديث ولا غيره ، بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى اللّه تعالى ، فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة قائلا بلسانه : اللّه اللّه على الدوام مع حضور القلب حتى ينتهي إلى حالة يترك
شرح
يشوبها نقص ( والتعطش التام ) للحصول والوصول ( والترصد بدوام الانتظار لما يفتحه اللّه ) تعالى عليه ( من الرحمة ) العامة ، ( إذ الأنبياء انكشفت لهم الأمور وفاض على صدورهم النور لا بالتعلم والدارسة ) المعهودة ( للكتب ) المعلومة ، ( بل بالزهد في الدنيا ) والتقلل منها ( والتبرىء عن علائقها ) الحسية والمعنوية ( وتفريغ القلب من شواغلها ) الشاغلة ( والإقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى . فمن كان للّه كان اللّه له . وزعموا ) وصدقوا فيما زعموا ( أن الطريق في ذلك أولا أن يقطع علائق الدنيا بالكلية فيفرغ قلبه منها ) وفي نسخة : عنها ( ويقطع همه عن الأهل والمال والولد والوطن ) فإنها شواغل مشغلة بل ( وعن العلم والولاية ) للمناصب ( والجاه ) عند الولاة ، ( بل يصير قلبه إلى حالة يستوي فيه وجود كل ذلك وعدمه ) . وهذه أوّل درجة من درجات السلوك وفي هذا المقام تكون بدايته في السلوك نهاية غيره من السالكين في غير هذا الطريق ، ( ثم ) بعد تمكنه من ذلك ( يخلو بنفسه في زاوية ) من زوايا بيته إن أمكنه أو في زاوية من زوايا مسجد قريب من بيته إن علم سلامة حاله وشرط ذلك الخلوة عن الناس ، فإن لم يمكنه فليسبل على رأسه مثل الطيلسان يمنعه من التطلع إلى يمين وشمال ، فقد قالوا : إنه الخلوة الصغرى ( مع الاقتصار على الفرائض ) الخمس ( والرواتب ) التي قبلها وبعدها ( ويجلس فارغ القلب ) عن وسواس أو خيال أو هم ( مجموع الهم ولا يفرق فكره بقراءة قرآن ولا بالتأمل في تفسيره ) ووجوهه وإعرابه ( ولا بكتب حديث ) ولا بسماعه ( وغيره ) كالاشتغال بالأذكار والأوراد ، ( بل يجتهد أن لا يخطر بباله شيء سوى اللّه فلا يزال بعد جلوسه في الخلوة قائلا بلسانه ) مراقبا بقلبه ( اللّه اللّه اللّه على الدوام مع حضور القلب ) وهو ذكر من غلب عليه الجذب ، قيل السلوك وهو اختيار طائفة منهم ، أو يقول لا إله إلا اللّه ، وهو ذكر من غلب عليه السلوك قبل الجذب ، واختاره طائفة منهم وكلاهما موصلان لكن حضور القلب شرط على كل حال ولم يزل كذلك ، ( حتى ينتهي الحال إلى حالة يترك تحريك اللسان