اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ
[ الشورى : 51 ] .
فإذا عرفت هذا فاعلم أن ميل أهل التصوّف إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية .
فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم وتحصيل ما صنفه المصنفون والبحث عن الأقاويل والأدلة المذكورة ، بل قالوا الطريق تقديم المجاهدة ومحو الصفات المذمومة وقطع العلائق كلها والإقبال بكنه الهمة على اللّه تعالى ، ومهما حصل ذلك كان اللّه هو المتولي لقلب عبده والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم ، وإذا تولى اللّه أمر القلب فاضت عليه الرحمة وأشرق النور في القلب وانشرح الصدر وانكشف له سر الملكوت ، وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة وتلألأت فيه حقائق الأمور الإلهية فليس على العبد إلا الاستعداد بالتصفية المجردة وإحضار الهمة مع الإرادة الصادقة والتعطش التام
شرح
ومصادمة الحس . الثاني : المستفاد من جهة النظر إما بمقدمات عقلية أو محسوسة . الثالث : المستفاد بخبر الناس إما بسماع أو قراءة . الرابع : ما كان عن الوحي إما بلسان ملك مرئي وإما بسماع كلامه من غير مصادفة عين وإما بالقاء في روع في حال يقظة وإما بالمنام ، ( وإليه الإشارة بقوله تعالى :وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا )ففيه حصر المعلومات التي أشرنا إليها .
( فإذا عرفت هذا فاعلم أن ميل أهل التصوّف إلى العلوم الإلهامية ) وهي التي تفاض على الإنسان بغير فعل بشري ( دون التعليمية ) التي تتحصل باكتساب وتعلم ، ( فلذلك لم يحرصوا على دراسة العلم ) على الوجه المعهود ( وتحصيل ما صنفه المصنفون ) ورعاية ما رتبوه ، ( والبحث على الأقاويل والأدلة المذكورة ) في كتبهم على الوجه الذي أوردوه ، ( بل قالوا الطريق ) الموصل إلى اللّه تعالى وراء ذلك وهو ( تقديم المجاهدة ) للنفس الأمّارة ( بمحو الصفات المذمومة ) عن لوح القلب والانخلاع عن التحلي بها ( وقطع العلائق ) الظاهرية والباطنية ( كلها والإقبال بكنه الهمة ) أي خالصها ( على اللّه تعالى ، ومهما حصل ذلك كان اللّه هو المتولي لقلب عبده والمتكفل بتنويره ) وإشرافه ( بأنوار العلم ) وإفاضتها عليه ، ( وإذا تولى اللّه أمر القلب فاضت الرحمة وأشرق النور في القلب وانشرح الصدر ) بالهداية والتوفيق ، ( وانكشف له سر الملكوت ) وتبدل في حقه الأرض غير الأرض والسماوات ، وصار كل ما هو داخل تحت الحس والخيال أرضه ، ومن جملتها السماوات وكل ما ارتفع عن الحس سماؤه ، وهذا هو المعراج الأوّل لكل سالك ابتداء سفره إلى قرب حضرة الربوبية ، ( وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة وتلألأ فيه حقائق الأمور الإلهية ) لصفاء مرآة قلبه بالنور الإلهي ، ( فليس على المريد ) السالك في طريق الحق ( إلا الاستعداد بالتصفية المجردة ) عن مكدرات القلب ، ( وإحضار الهمة ) في سلوكه ( مع الإرادة الصادقة ) التي لا