تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 451

مساهمون:

ص٤٥١
وأخرى يزول بهبوب الرياح تحركه . وكذلك قد تهب رياح الألطاف وتنكشف الحجب عن أعين القلوب فينجلي فيها بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ ، ويكون ذلك تارة عند المنام فيعلم به ما يكون في المستقبل . وتمام ارتفاع الحجاب بالموت فيه ينكشف الغطاء ، وينكشف أيضا في اليقظة حتى يرتفع الحجاب بلطف خفي من اللّه تعالى ، فيلمع في القلوب من وراء ستر الغيب شيء من غرائب العلم تارة كالبرق الخاطف ، وأخرى على التوالي إلى حدّ ما . ودوامه في غاية الندور فلم يفارق الإلهام الاكتساب في نفس العلم ولا في محله ولا في سببه ولكن يفارقه من جهة زوال الحجاب ، فإن ذلك ليس باختيار العبد ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك بل في مشاهدة الملك المفيد للعلم ، فإن العلم إنما يحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ
شرح
القمر تابع لما في الشمس إذ منها يشرق النور على القمر . وهذه الأنوار الأربعة مرتبة بعضها أعلى من بعض وأكمل من بعض ، فالنور الأول هو الذي أفاض على اللوح فانتقشت فيه الحقائق كلها ، ثم أفيض النور من مرآته إلى القلب بحكم المقابلة فانطبعت فيه أنوار تلك الحقائق وأشرق ثم أفيض منه على كل مرآة قلب قوبلت بتلك المرآة ، ثم إنه قد يعتري الحجاب بين المرآتين فيكون مانعا من حصول التجلي ، وإليه أشار المصنف بقوله : ( والحجاب تارة يزال باليد وأخرى يزال بهبوب ريح تحركه ، فكذلك قد تهب رياح الألطاف ) الإلهية ( فتكشف الحجب عن عين القلوب ) فتعود على استعدادها الأول في قبول التجلي ( فيتجلى فيها على بعض ما هو مسطور في اللوح المحفوظ ) بحكم التقابل ، ( ويكون ذلك تارة عند المنام فيظهر به ما سيكون في المستقبل ) وهو المعنى بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » . ( وإنما ارتفاع الحجاب ) أي كمال التجرد ( بالموت ) أي بعده ، ( وبه ) يتجرد العقل عن النوازع الخيالية والوهمية و ( ينكشف الغطاء ) وتتجلى الأسرار ويصادف كل أحد ما قدم من خير أو شر محضرا وعندها يقال :فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ[ ق : 22 ] وإنما الغطاء غطاء الخيال والوهم ( وفي اليقظة أيضا ينقشع الحجاب ) أي يزول ( بلطف خفي من اللّه تعالى فيلمع في القلب من وراء ستر الغيب ) وهو عالم الملكوت ( شيء من غرائب العلم ) الذي هو كهيئة المكنون وهو المعنى بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن يكن في هذه الأمة محدث فهو عمر » ويكون ذلك ( تارة كالبرق الخاطف و ) أخرى ( على التوالي ) أي التتابع ( إلى حد ما ودوامه في غاية الندور ) أي القلة ( فلم يفارق الإلهام الاكتساب في نفس العلم ولا في محله ولا في سببه ، ولكن يفارقه في جهة زوال الحجاب ، وإن ذلك ليس باختيار العبد ولم يفارق الوحي الإلهام في شيء من ذلك ، بل في مشاهدة الملك المفيد للعلم ، فإن العلوم إنما تحصل في قلوبنا بواسطة الملائكة ) إفاضة من اللّه تعالى ، وحاصله : أن الطريق التي تستفاد منها العلوم أضرب . الأول : المستفاد من بديهة العقل