إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 449
بيان الفرق بين الإلهام والتعلم والفرق بين طريق الصوفية في استكشاف الحق وطريق النظار : اعلم أن العلوم التي ليست ضرورية - وإنما تحصل في القلب في بعض الأحوال - تختلف الحال في حصولها فتارة تهجم على القلب كأنه ألقي فيه من حيث لا يدري ، وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم . فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل يسمى إلهاما ، والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا . ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدري العبد أنه كيف حصل له ومن أين حصل ؟ وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم وهو مشاهدة الملك الملقى في القلب . والأول : يسمى إلهاما ونفثا في الروع ، والثاني : يسمى وحيا وتختص به الأنبياء . والأول يختص به الأوليا والأصفياء والذي قبله - وهو المكتسب بطريق ولكن لنوابهم وورثتهم في ذلك نصيب ومراتبهم في ذلك مختلفة باختلاف الأشخاص والأحوال . بيان الفرق بين الإلهام والتعلم والفرق بين طريق : السادة ( الصوفية في استكشاف ) جلية ( الحق وطريق النظار ) . ( اعلم أن ) نفس الإنسان معدن الحكمة والعلوم وهي مركوزة فيها بالفطرة محمولة لها بالقوة كالنار في الحجر والنخل في النواة ، والذهب في الحجارة وكالماء تحت الأرض ، لكن كما أن من الماء ما يجري من غير فعل بشري ومنه ما يعاين تحت الأرض ولكن لا يتوصل إليه إلا بدلو ورشاء ومنه ما هو كامن يحتاج في استنباطه إلى حفر وتعب شديد ، فإن عني به أدرك وإلا بقي غير منتفع به ، ثم أن ( العلوم ) ضرورية ومكتسبة فالضرورية قد تقدم الكلام فيها ، و ( التي ليست ضرورية وإنما تحصل في القلب في بعض الأحوال ) من غير فعل بشري ( يختلف الحال في حصولها فتارة تهجم على القلب كأنه ألقي فيه من حيث لا يدري ) يطمئن له الصدر ، ( وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم ) فمنه ما يوجد بأدنى تعلم ومنه ما يصعب وجوده ، ( فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل ) بل بطريق الفيض ( يسمى إلهاما ) ويختص بما من اللّه والملأ الأعلى ، ( والذي بحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصارا ) وفيه قياس ما غاب على ما ظهر بدليل ، ( ثم الواقع في القلب من غير تمحل ) أي تكلف ( وحيلة واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدري أنه كيف حصل ومن أين حصل وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفيد ذلك العلم ، وهو شهادة الملك الملقي في القلب ، والأول يسمى إلهاما ونفثا في الروع ) بالضم الخاطر والقلب والنفث فيه هو الإلقاء ، ومنه الحديث : « إن روح القدس نفث في روعي » الحديث ( والثاني : يسمى وحيا ويختص به الأنبياء ، والأول يختص به الأولياء ، والذي قبله وهو المكتسب بطريق الاستدلال يختص به العلماء ) وأنواع الوحي ستة :