وقال الحسن في بعض مواعظه : لقد أدركنا أقواما لو رأيتموهم لقلتم مجانين ، ولو أدركوكم لقالوا شياطين . فمهما سمعت أمرا غريبا من أمور الدين جحده أهل الكياسة في سائر العلوم ، فلا يغرنك جحودهم عن قبولها إمن المحال أن يظفر سالك طريق المشرق بما يوجد في المغرب ، فكذلك يجري أمر الدنيا والآخرة ، ولذلك قال تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها
[ يونس : 70 ] الآية وقال تعالى :
يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ
[ الروم : 7 ] وقال عز وجل :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ
[ النجم : 29 ] فالجمع بين كمال الاستبصار في مصالح الدنيا والدين لا يكاد يتيسر إلا لمن رسخه اللّه لتدبير عباده في معاشهم ومعادهم وهم الأنبياء المؤيدون بروح القدس المستمدون من القوة الإلهية التي تتسع لجميع الأمور ولا تضيق عنها . فأما قلوب سائر الخلق فإنها إذا استقلت بأمر الدنيا انصرفت عن الآخرة وقصرت عن الاستكمال فيها .
شرح
قلت : وسبقه ابن الجوزي فقال ما نصه : حديث لا يصح . قال ابن عدي : حديث منكر ، وقال الدارقطني : تفرد به سلامة عن عقيل وهو ضعيف اه كلام ابن الجوزي .
وقال الهيثمي فيه سلامة بن روح وثقة ابن حبان وغيره ، وضعفه أحمد بن صالح وغيره .
( وقال الحسن ) البصري رحمه اللّه تعالى : ( أدركنا أقواما لو رأيتموهم لقلتم ) أنهم ( مجانين ) أي لغفلتهم عن أمور الدنيا ، ( ولو رأوكم لقالوا ) إنكم ( شياطين ) أي لما فيكم من الدهاء والمكر والخداع في تحصيل المعايش ، وهذا الكلام نقله صاحب القوت ، وسيأتي تمامه في آخر كتاب الزهد ، والمراد بأولئك الأقوام أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وعلية التابعين ، ( فمهما سمعت أمرا غريبا من أمور الدين ) قد ( جحده أهل الكياسة في سائر العلوم ) وظنوه مناقضا ( فلا يغرنك جحودهم عن قبوله ) فلكل عمل رجال ، ( إذ من المحال أن يظفر سالك طريق الشرق بما يوجد في الغرب ) فإنما أورثهم ذلك الجحود جهلهم بعلوم الدين ، ( وكذلك يجري أمر الدنيا والآخرة ، ولذلك قال ) اللّه ( تعالى :إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِهاالآية . وقال تعالى :يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَوقال تعالى :فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِفالجمع بين كمال الأستبصار في مصالح الدنيا لا يكاد يتيسر ) ويسهل ( إلا لمن رشحه اللّه ) وهيأه بالخلافة العظمى ( لتدبير عباده في معاشهم ومعادهم وهم الأنبياء ) عليهم السلام ، ( المؤيدون بروح القدس المستمدون من القوة الإلهية ) تفاض عليهم ( التي تتسع لجميع الأمور ) الدنيوية والأخروية على الكمال ، ( ولا تضيق عنها . وأما قلوب سائر الخلق فإنها إذا أشغلت بأمر انصرفت عن الآخرى وقصرت عن الاستكمال فيه )