أن من صرف عنايته إلى أحدهما حتى تعمق فيه قصرت بصيرته عن الآخر على الأكثر - ولذلك ضرب علي رضي اللّه عنه للدنيا والآخرة ثلاثة أمثلة فقال : هما ككفتي الميزان ، وكالمشرق والمغرب ، وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى .
ولذلك ترى الأكياس في أمور الدنيا وفي علم الطب والحساب والهندسة والفلسفة جهالا في أمور الآخرة . والأكياس في دقائق علوم الآخرة جهالا في أكثر علوم الدنيا ، لأن قوّة العقل لا تفي بالأمرين جميعا في الغالب فيكون أحدهما مانعا من الكمال في الثاني ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن أكثر أهل الجنة البله » أي البله في أمور الدنيا .
شرح
ويندرج في ذلك علم المباني الخمس وغير ذلك ، ( كما فصلناه في كتاب العلم وهما علمان متنافيان ) أي علم الدنيا ينافي علم الآخرة وعلم الآخرة ينافي علم الدنيا ، ثم ذكر وجه المنافاة بقوله :
( أعني أن من صرف عنايته ) وبذل همته ( إلى ) تحصيل ( أحدهما حتى تعمق فيه ) أي دخل في عمقه وهو كناية عن نهاية الاشتغال به ( قصرت بصيرته عن الآخر ) فلا يمكنه أن يهتدي إليه ، وهذا ( على الأكثر ) فيما جرب ( ولذلك ضرب علي كرم اللّه وجهه للدنيا والآخرة أمثلة ثلاثة فقال : هما ككفتي الميزان ) إن رحجت إحداهما خفت الأخرى ، ( وكالمشرق والمغرب ) وإليه أشار القائل :سارت مشرقة وسرت مغربا * شتان بين مشرق ومغرب( وكالضرتين إذا أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى ) ولم يبق بعد هذه الأمثلة مثال يليق لهما فسائر ما قيل فيهما من الأمثلة راجع إلى هذه الثلاثة ، وهذه الأمثلة الثلاثة ذكرها الشريف الموسوي في نهج البلاغة ونقله الراغب في الذريعة .
( ولذلك ترى الأكياس في أمور الدنيا ) الفطنين فيها ( وفي ) علومها مثل ( علم الطب والهندسة والحساب والفلسفة جهالا في أمور الآخرة ) وما أقبح هذا ( و ) ترى الأكياس ( في دقائق علوم الآخرة جهالا في الأكثر ) أي في الأغلب ( بعلوم الدنيا ) وما ؟ ؟ ؟ هذا وذلك ( لأن قوة العقل لا تفي بالأمرين جميعا في الغالب ، فيكون أحدهما مانعا من الكمال في الثاني ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أكثر أهل الجنة البله » ) بضم فسكون جمع الأبله ( أي البله في أمور الدنيا ) قد أغفلوها فجهلوا حذق التصرف فيها وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا فاستحقوا أن يكونوا أكثر أهلها ، وقيل : هم الغافلون عن الشر المطبوعون على الخير أو الذين خلوا عن الدهاء والمكر وغلبت عليهم سلامة الصدر وهم عقلاء . قال الزبرقان : خير أولادنا الأبله المغفول .
قال العراقي : رواه البزار من حديث أنس وضعفه ، وصححه القرطبي في التذكرة وليس كذلك ، فقد قال ابن عدي : أنه منكر اه .