بالغذاء . وظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية وأن الجمع بينهما غير ممكن هو ظن صادر عن عمى في عين البصيرة نعوذ باللّه منه ، بل هذا القائل ربما يناقض عنده بعض العلوم الشرعية لبعض فيعجز عن الجمع بينهما . فيظن أنه تناقض في الدين ، فيتحير به فينسل من الدين انسلال الشعرة من العجين . وإنما ذلك لأن عجزه في نفسه خيل إليه نقضا في الدين وهيهات وإنما مثاله مثال الأعمى الذي دخل دار قوم فتعثر فيها بأواني الدار فقال لهم : ما بال هذه الأواني تركت على الطريق لم لا ترد إلى مواضعها ؟ فقالوا له : تلك الأواني في مواضعها ! وإنما أنت لست تهتدي للطريق لعماك فالعجب منك أنك لا تحيل عثرتك على عماك وإنما تحيلها على تقصير غيرك ؟ فهذه نسبة العلوم الدينية إلى العلوم العقلية .
والعلوم العقلية تنقسم إلى دنيوية وأخروية . فالدنيوية : كعلم الطب والحساب والهندسة والنجوم وسائر الحرف والصناعات . والأخروية : كعلم أحوال القلب وآفات الأعمال والعلم باللّه تعالى وبصفاته وأفعاله - كما فصلناه في كتاب العلم - وهما علمان متنافيان - أعني
شرح
مَسْتُوراً[ الإسراء : 45 ] وأيضا فالمعقولات كالحياة التي بها الأبصار والأسماع ، والقرآن كالمدرك بالسمع والبصر ، وكما أنه من المحال أن يسمع ويبصر الميت قبل أن يجعل اللّه فيه الروح ويجعل له السمع والبصر ، كذلك من المحال أن يدرك من لم يحصل المعقولات حقائق الشرعيات .
( وظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية ) ومصادمة لها ، ( وأن الجمع بينهما غير ممكن هو ظن صادر من عمى في عين البصيرة ) وهو أشد من العمى في عين البصر ، ( نعوذ باللّه من ذلك بل ربما هذا القائل ) أي المجوز لذلك ( ربما يناقض عنده بعض العلوم الشرعية للبعض ، فيعجز عن الجمع بينهما فيظن أنه تناقض في الدين فيتحير به ) تحير الضب إذا ضل عن حجره ، ( وينسل عن ) ربقة ( الدين انسلال الشعرة من العجين ) وهو لا يدري كيف انفصل ، ( وإنما ذلك لأن عجزه في نفسه خيل إليه نقضا في الدين ) ومصادمة في علومه ، ( وهيهات وإنما مثاله الأعمى الذي دخل دارا فتعثر فيها بأواني الدار ) أي زلت قدمه بها ، ( فقال : ما بال هذه الأواني تركت على الطريق ) أي على الممر ؟ ( لم لا ترد إلى مواضعها ؟ فقيل له : تلك الأواني ) موضوعة ( في مواضعها ) اللائقة بها ، ( وإنما أنت لست تهتدي إلى الطريق لعماك ؟ فالعجب منك أنك لا تحيل عثرتك ) أي زلة قدمك ( على عماك وتحيله على تقصير غيرك ، فهذه نسبة العلوم الدينية إلى ) العلوم ( العقلية ) .
( والعلوم العقلية تنقسم إلى دنيوية وأخروية . فالدنيوية كالطب والحساب والهندسة والنجوم وسائر الحرف والصناعات ) فإن ثمراتها منوطة بالدنيا ولا تعلق لها بالآخرة إلا من وجوه بعيدة ، ( والأخروية كعلم أحوال القلب وآفات الأعمال والعلم باللّه وصفاته وأفعاله )