تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
تكون من أحد الفريقين وكن جامعا بين الأصلين ، فإن العلوم العقلية كالأغذية والعلوم الشرعية كالأدوية والشخص المريض يستضر بالغذاء متى فاته الدواء ، فكذلك أمراض القلوب لا يمكن علاجها إلا بالأدوية المستفادة من الشريعة وهي لطائف العبادات والأعمال التي ركبها الأنبياء صلوات اللّه عليهم لإصلاح القلوب ، فمن لا يداوي قلبه المريض بمعالجات العبادة الشرعية واكتفى بالعلوم العقلية استضر بها كما يستضر المريض
شرح
الحكمة يصير العقل مبصرا بالفعل بعد أن كان مبصرا بالقوة ، وأعظم الحكم كلام اللّه تعالى وكلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتكون منزلتهما عند عين العقل منزله نور الشمس عند العين الظاهرة إذ به يتم الابصار فأحرى أن يسمى القرآن والسنة نورا كما يسمى نور الشمس نورا ، ولذلك قال المصنف عن أنوار القرآن والسنة . ( فإياك أن تكون من الفريقين ) المفرط والمفرط ( وكن جامعا بين الأصلين ) العقل والنقل ، ( فإن العلوم العقلية كالأغذية ) أي بمنزلتها في احتياج نحو البدن إليها ( والعلوم الشرعية كالأدوية ) أي بمنزلتها في احتياج استدامة صحة البدن إليها ، ( والشخص المريض يتضرر بالغذاء مهما فاته الدواء ، فكذلك أمراض القلب لا يمكن علاجها إلا بأدوية مستفادة من الشريعة وهي لطائف العبادات والأعمال التي ركبها الأنبياء صلوات اللّه عليهم ) وسلامه ( لإصلاح القلوب ) وهي بمنزلة الأدوية الظاهرة التي يركبها الأطباء لإصلاح الأبدان ، ( فمن لا يداوي قلبه المريض ) المملوء بأوجاع المعاصي ورياح الشهوات ( بمعالجات العبادات الشرعية ) المركبة على أحسن قانون ( واكتفى بالعلوم العقلية استضر بها كما يستضر المريض بالغذاء ) فلا تتم له الصحة مطلقا ، ويمكن تقرير السياق بوجه آخر أقرب مما قرره المصنف فنقول : المعقولات تجري مجرى الأدوية الجالبة للصحة والشرعيات تجري مجرى الأغذية الحافظة للصحة ، وكما أن الجسم متى كان مريضا لم ينتفع بالأغذية بل يستضر بها ، كذلك متى كان مريض النفس كما قال تعالى :فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ[ البقرة : 10 ] لم ينتفع بسماع القرآن الذي هو موضوع الشرعيات ، بل صار ذلك ضارا له مضرة الغذاء للمريض فتشبيه الشرعيات بالأغذية التي لا يستغني عنها بدن الإنسان أولى من تشبهها بالأدوية التي لا يحتاج إليها في كل وقت ، والقصد تعذر إدراك العلوم النبوية على من لم يتهذب في الأمور العقلية ، وأيضا فالقلب بمنزلة مزرعة للمعتقدات والاعتقاد فيه بمنزلة البذر إن خيرا وإن شرا . وكلام اللّه تعالى بمنزلة الماء الذي يسقيه ، فكما أن الماء إذا سقى الأرض يختلف نباته بحسب بذوره ، فكذا القرآن إذا ورد على الاعتقادات الراسخة في القلوب تختلف تأثيراته ، وإليه الإشارة بقوله تعالى :وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌالآية [ الرعد : 4 ] وقوله تعالى :وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ[ الأعراف : 58 ] الآية . وأيضا فالجهل بالمعقولات جار مجري ستر مرخي على البصر وغشاء على القلب ووقر في الأذن والقرآن لا يدرك خفياته إلا من كشف غطاؤه ورفع غشاؤه وأزيل وقره ، ولهذا قال تعالى :وَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجاباً
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 445 | مرتضى الزبيدي