تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 436

مساهمون:

ص٤٣٦
مثل إيمان العوام فإنهم لما بلغوا سن التمييز سمعوا من آبائهم وأمهاتهم وجود اللّه تعالى وعلمه وإرادته وقدرته وسائر صفاته وبعثة الرسل وصدقهم وما جاؤوا به ، وكما سمعوا به قبلوه وثبتوا عليه واطمأنوا إليه ، ولم يخطر ببالهم خلاف ما قالوه لهم لحسن ظنهم بآبائهم وأمهاتهم ومعلميهم ، وهذا الإيمان سبب النجاة في الآخرة وأهله من أوائل رتب أصحاب اليمين وليسوا من المقربين ، لأنه ليس فيه كشف وبصيرة وانشراح صدر بنور اليقين ، إذا الخطأ ممكن فيما سمع من الآحاد بل من الأعداد فيما يتعلق بالاعتقادات ، فقلوب اليهود والنصارى أيضا مطمئنة بما يسمعونه من آبائهم وأمهاتهم إلا انهم اعتقدوا ما اعتقدوه خطأ لأنهم ألقي إليهم الخطأ ، والمسلمون اعتقدوا الحق لا لاطلاعهم عليه ولكن ألقي إليهم كلمة الحق .
شرح
انسان قد يخبر عن شيء كموت شخص وقدوم غائب وغيره فيسبق إليه اعتقاد جازم وتصديق بما أخبر عنه بحيث لا يبقى مجال لغيره في قلبه ومستنده حسن اعتقاده فيه ، فالمجرب بالصدق والورع والتقوى مثل الصديق رضي اللّه عنه إذ قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « فكم من مصدق به جزما وقابل له قولا مطلقا » . ( وهو مثل إيمان العوام فإنهم لما بلغوا سن التمييز سمعوا من آبائهم وأمهاتهم ) ومشايخهم ( وجود اللّه تعالى وعلمه وارادته وقدرته وسائر صفاته وبعثة الرسول وصدقه و ) صدق ( ما جاء به ، وكما سمعوه ) بادروا إلى التصديق ( وقبلوه وثبتوا عليه واطمأنوا إليه ، ولم يخطر ببالهم خلاف ما قالوه ) ولم يخالجهم ريب وشك ولا مستند لقبولهم ذلك إلا ( لحسن ظنهم ) واعتقادهم ( بآبائهم وأمهاتهم أو معلميهم ) وقد يستمرون على ذلك من غير حاجة إلى دليل ومحاجة . ( وهذا الإيمان سبب النجاة ) من عذاب اللّه ( في الآخرة وأهله من أوائل رتب أصحاب اليمين ) المشار إليهم في قوله تعالىوَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ[ الواقعة : 27 ] الآية . ( وليسوا من المقربين لأنه ليس فيه كشف بصيرة وانشراح صدر بنور اليقين إذ الخطأ ممكن فيما يسمع من الآحاد ، بل من الاعداد فيما يتعلق بالاعتقاد وقلوب اليهود والنصارى أيضا مطمئنة بما سمعوه من آبائهم إلا أنهم اعتقدوا ما اعتقدوه خطأ لأنهم ألقي إليهم الخطأ ، والمسلمون اعتقدوا الحق لا لاطلاعهم عليه ولكن ألقي إليهم كلمة الحق ) وإنما قلنا إن هذا الإيمان سبب النجاة في الآخرة لأن أكثر الناس آمنوا في الصبا وكان تصديقهم مجرد التقليد للآباء والمعلمين بحسن ظنهم بهم وكثرة ثنائهم على أنفسهم وثناء غيرهم عليهم وتشديدهم النكير بين أيديهم على مخالفيهم ، وحكايات أنواع النكال النازل لمن لا يعتقد اعتقادهم ، وقولهم : إن فلانا اليهودي مسخ في قبره كلبا وفلانا النصراني انقلب خنزيرا أو حكايات ومنامات ، وأحوال من هذا الجنس تنغرس به في نفوس الصبيان النفرة عنه والميل إلى ضده حتى ينزع الشك بالكلية من قلبه ، والتعلم في الصغر كالنقش على الحجر ما لم يقع تشويش عليه فلا يزال ذلك في نفسه ، فإذا بلغ استمر اعتقاده الجازم وتصديقه المحكم الذي لا يخالجه فيه