تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
والمشاهدة اليقينية وهي تشبه معرفة المقربين والصديقين لأنهم يؤمنون عن مشاهدة فينطوي في إيمانهم إيمان العوام والمتكلمين ، ويتميزون بمزية بينة يستحيل معها إمكان الخطأ . نعم وهم أيضا يتفاوتون بمقادير العلوم وبدرجات الكشف .
شرح
( والمشاهدة اليقينية وهي تشبه معرفة المقربين والصديقين لأنهم يؤمنون عن مشاهدة فينطوي في إيمانهم إيمان العوام والمتكلمين ) ، أما انطواء إيمان العوام فظاهر ، وأما إيمان المتكلمين فلأنه حاصل لهم بالبرهان المستوفي بشروطه المحررة بأصوله ومقدماته حتى لا يبقى مجال احتمال وممكن التباس ، ( ويتميزون ) يعني أهل المشاهدة اليقينية ( بمزية يستحيل معها إمكان الخطأ ) لقوّة معرفتهم ، وأصل سياق هذا المثال لصاحب القوت وقد أخذه المصنف وزاده تحريرا وبيانا وهذا لفظه مثال ذلك فيما تعقله مثل رجل قال لك : إن عندي فلانا فقد حصل لك علم أنه عنده غير أن هذا العلم غير يقين لأنه يجوز أن يكون قد اشتبه عليه ، أو يكون قد كان عندي ثم خرج وليس هو الآن عندي وهذا مثل إيمان المسلم هو علم خبر لا خبر ، ثم إنك تأتي إليّ لتراه فتسمع كلامه من وراء حجاب وقد علمت الآن أنه عندي لأنك سمعت كلامه ، واستدللت على كونه إلا أن هذا العلم أيضا غير تحقيق لأن الأصوات تشتبه والاجرام تتفاوت ، ولو قلت لك لم يكن عندي ، وإنما كان ذلك غيره أشبه صوته لشككت فيه لاحتمال ذلك ولم يكن عندك يقين تدفع به قولي ولا شهادة تنكر بها عليّ . وهذا مثل لإيمان عموم المؤمنين فهو إيمان خبر . لعمري وفيه يقين استدلال ممتزج بظن غير أن مشاهدة العارفين قد يدخل عليهم التخييل والتشبيه فلا يدفعونه بشهادة يقين ، انك تدخل عليّ بعد أن قيل لك هو عندي أو بعد أن سمعت كلامه فتشهده جالسا لا حجاب بينك وبينه ، فهذا هو يقين المعرفة . وهذه شهادة المؤمن وعندها انتفى كل شك وتحقيق خبر العلم ، وهذا إيمان المؤمنين الذي قد اندرج فيه عموم المؤمنين عن علم الخبر المحتمل ومن سمع الكلام من وراء الحجاب المشتبه واسم الإيمان واقع على جميعهم ، ولكن الأوّل علم أنه عندي بما قيل فصدق ، والثاني علم بما سمع فاستل ولم يشهد فيقطع ، والثالث عاين فقطع . وقد شهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالمزيد فقال « ليس الخبر كالمعاينة وليس المخبر كالمعاين » ثم زاد صاحب القوت على هذا فقال : ومثل آخر في تفاوت المؤمنين في حقيقة الكمال ودخولهم في الاسم والمعنى مثل صلاة رباعية أقيمت ، فجاء رجل فأدرك الركعة الثانية ، ثم جاء آخر فأدرك الثالثة ، ثم جاء آخر فأدرك الرابعة وكلهم قد صلوا ، وقد أدرك الصلاة في جماعة ونال فضلها لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة » وليس من أدرك الركعة الأولى في كمال الصلاة وأدرك حقيقتها كمن أدرك الثانية أو الثالثة أو الرابعة ، ولا يكون أيضا من أدرك التكبير للإحرام في الفضل كمن لم يدرك شيئا من القيام وهما مدركان معا ، فكذلك المؤمنون في كمال الإيمان وحقائقه لا يستوون وإن استووا بالدخول في الاسم والمعنى . ( نعم وهم ) أي أهل المرتبة الثالثة ( أيضا يتفاوتون بمقادير المعلوم وبدرجات الكشف ) .