شرح
ريب ، ولذلك ترى أولاد النصارى والروافض والمسلمين كلهم لا يبلغون إلا على عقائد آبائهم واعتقاداتهم في الحق والباطل جازمة ، ولو قطعوا إربا إربا لما زادوا أبدا عنها ولم يسمعوا عليها دليلا لا حقيقيا ولا رسميا ، وكذلك ترى العبيد والإماء يسبون من المعترك ولا يعرفون الإسلام ، فإذا وقعوا في أيدي المسلمين مدة ورأوا ميلهم إلى الإسلام مالوا معهم واعتقدوا اعتقادهم وتخلقوا بأخلاقهم ، كل ذلك مجرد التقليد والتشبيه بالغير فالطباع مجبولة على التشبيه ، لا سيما طباع الصبيان والشباب ، فبهذا يعرف أن التصديق الجازم غير موقوف على البحث وتحرير الأدلة .
فصل
ولعلك تقول : لا أنكر وصول التصديق الجازم إلى قلوب العوام بهذه الأسباب ، ولكن ليس ذلك من المعرفة في شيء وقد كلف الناس المعرفة الحقيقية دون اعتقاد هو من جنس الجهل لا يتميز فيه الباطل عن الحق ، فالجواب ان هذا غلط ممن ذهب إليه بل سعادة الخلق أن يعتقدوا الشيء بما هو عليه اعتقادا جازما لتنتقش قلوبهم بالصورة الموافقة الحقيقة الحق ، حتى إذا ماتوا انكشف لهم الغطاء فشاهدوا الأمور على ما اعتقدوها ولم يفتضحوا ولم يحترقوا بنار الخزي والخجلة أوّلا ، وبنار جهنم ثانيا ، وصورة الحق إذا انتقش به قلبه فلا نظر إلى السبب المفيد له أهو دليل حقيقي أم رسمي أم اقناعي أو قبول عن الاعتقاد في قائله أو قبول لمجرد التقليد من غير تسبب ، فليس المطلوب الدليل المفيد بل الفائدة وهي حقيقة الحق على ما هو عليه ، فمن اعتقد حقيقة الحق في اللّه تعالى وفي صفاته وكتبه ورسله واليوم الآخر على ما هو عليه فهو سعيد ، وإن لم يكن ذلك لدليل محرر كلامي ، فلم يكلف اللّه تعالى عباده إلا ذلك ، وذلك معلوم على الضرورة بجملة أخبار متواترة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في توارد الأعراب عليه وعرض الإيمان عليهم ، وقولهم ذلك وانصرافهم إلى رعاية الإبل والمواشي من غير تكليفه إياهم الفكر في المعجزة ووجه دلالتها والفكر في حدوث العالم واثبات الصانع في أدلة الوحدانية وسائر الصفات ، بل الاجلاف من العرب أكثرهم لو كلفوا لم يفهموه ولم يدركوه بعد طول المدة ، بل كان الواحد منهم يحلفه فيقول : آللّه اللّه أرسلك رسولا فيقول واللّه اللّه أرسلني رسولا فكان يصدقه بيمينه وينصرف ، ويقول الآخر :
إذا قدم عليه ونظره واللّه ما هذا وجه كذاب ، وأمثال ذلك مما لا يحصى . بل كان أسلم في غير غزوة واحدة في عصر أصحابه آلاف لا يفهم أكثرهم أدلة الكلام والتوحيد ، ومن كان يفهمه فإنه يحتاج إلى أنه يترك صناعته ويختلف إلى تعليمه مدة مديدة ولم ينقل قط شيء من ذلك فعلم علما ضروريا إن اللّه لم يكلف الخلق إلا الإيمان والتصديق الجازم بما قاله كيفما حصل التصديق ، نعم لا ينكر أن للعارف درجة على المقلد ، ولكن المقلد في الحق مؤمن ، كما أن العارف مؤمن .
فإن قيل : بم يميز المقلد بين نفسه وبين اليهودي المقلد ؟ قلنا : المقلد لا يعرف التقليد ولا يعرف انه مقلد بل يعتقد في نفسه أنه محق عارف فلا يشك في معتقده ولا يحتاج مع نفسه إلى التمييز كقطعه بأن خصمه مبطل وهو محق ، ولعله أيضا مستظهر بقرائن أو أدلة ظاهرة ، وإن كانت غير