والثالثة : إيمان العارفين وهو المشاهد بنور اليقين .
شرح
الثالثة : أن يحصل التصديق بالأدلة الخطابية التي جرت العادة باستعمالها في المحاورات والمخاطبات الجارية في العادات ، وذلك يفيد في حق الأكثر تصديقا ببادىء الرأي وسابق الفهم إذا لم يكن الباطن مشحونا بتعصب ورسوخ اعتقاد على خلاف مقتضى الدليل .
( والثالثة : إيمان العارفين وهو المشاهد بنور اليقين ) وفيها أيضا ثلاث مراتب .
الأولى : إيمانهم بان كل ما سواه إذا اعتبرت ذاته فهو من حيث ذاته لا وجود له بل وجوده مستعار من غيره ولا قوام لوجوده المستعار بنفسه بل بغيره ، ونسبة المستعار إلى المستعير مجاز محض ، فإذا انكشف للعبد هذه الحقيقة بنور اليقين علم أنه ملك لمالكه على التفرد لا شريك له فيه أصلا .
الثانية : ترقوا من حضيض المجاز إلى أوج الحقيقة واستكملوا معراجهم فرأوا بالمشاهدة العينية أن ليس في الوجود إلا اللّه ، وأن كل شيء هالك إلا وجهه لا أنه يصيرها لكافي وقت من الأوقات ، بل هو هالك أزلا وأبدا لا يتصوّر إلا كذلك ، وان كل شيء سواه إذا اعتبرت ذاته من حيث ذاته فهو عمد محض ، وإذا اعتبرت من الوجه الذي يسري إليه الوجود من الأوّل رؤي موجودا لا في ذاته لكن من الوجه الذي يلي موجده فيكون الموجود وجه اللّه فقط ، ولكل شيء وجهان : وجه إلى نفسه ووجه إلى ربه فهو باعتبار وجه نفسه عدم وباعتبار وجه اللّه موجود ، فإذا لا موجود إلا اللّه ووجهه ، فإذا كل شيء هالك إلا وجهه أزلا وأبدا . ولم يفتقر هؤلاء لقيام القيامة ليسمعوا نداء الباريلِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ[ غافر : 16 ] بل هذا النداء لا يفارق سمعهم أبدا ولم يفهموا من معنى قوله : اللّه أكبر أنه أكبر من غيره حاشا اللّه إذ ليس في الوجود معه غيره حتى يكون أكبر منه ، بل ليس لغيره رتبة المعية ، بل رتبة التبعية بل ليس لغيره وجود إلا من الوجه الذي يليه ، فالوجود وجهه فقط ، فمحال أن يكون أكبر من وجهه بل معناه أكبر من أن يقال أكبر بمعنى الإضافة والمقايسة ، وأكبر من أن يدرك غيره كنه كبريائه نبيا كان أو ملكا بل لا يعرف كنه معرفته إلا اللّه تعالى .
الثالثة : بعد ما عرجوا إلى سماء الحقيقة اتفقوا انهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق ، لكن منهم من كان له هذا الحال عرفانا علميا ، ومنهم من صار له ذلك ذوقا حاليا وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم ، فصاروا كالمبهوتين فيه ولم يبق فيهم متسع لا لذكر غير اللّه ولا لذكر أنفسهم أيضا ، فلم يكن عندهم إلا اللّه فسكروا سكرا وقع دون سلطان عقولهم ، فقال أحدهم : أنا الحق ، وقال الآخر : سبحاني ما أعظم شأني وقال آخر :
ما في الجبة إلا اللّه ، وكلام العشاق في حال السكر يطوى ولا يحكى ، فلما خف عنهم سكرهم وردّوا إلى سلطان العقل الذي هو ميزان اللّه في الأرض عرفوا أن ذلك لم يكن حقيقة الاتحاد بل يشبه الاتحاد . وهذه الحالة إذا غلبت سميت بالإضافة إلى صاحب الحالة فناء بل فناء الفناء لأنه فني عن