تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 435

مساهمون:

ص٤٣٥
ونبين لك هذه المراتب بمثال وهو أن تصديقك بكون زيد مثلا في الدار له ثلاث درجات . الأولى : أن يخبرك من جربته بالصدق ولم تعرفه بالكذب ولا اتهمته في القول ، فإن قلبك يسكن إليه ويطمئن بخبره بمجرد السماع ، وهذا هو الإيمان بمجرد التقليد ، وهو
شرح
نفسه وفني عن فنائه ، فإنه ليس يشعر بنفسه في تلك الحال ولا بعدم شعوره بنفسه ولو شعر بعدم شعوره كان قد يشعر بنفسه ، وتسمى هذه الحال بالنسبة إلى المستغرق به بلسان المجاز اتحادا وبلسان الحقيقة توحيدا . وقال صاحب القوت : كل قلب اجتمع فيه ثلاث معان لم تفارقه خواطر اليقين ، ولكن يضعف الخاطر ويخفى لضعف المعاني ودقتها ويقوى اليقين ويظهر بقوتها لأن هذه الثلاث مكان اليقين . أحدهما : الإيمان وموضعه من اليقين مكان حجر النار ، والثاني : العلم ومكانه موضع الزناد ، والثالث : العقل وهو مكان الحراق ، فإذا اجتمعت هذه الأسباب قدح خاطر اليقين في القلب ، ومثل القلب في قوّته بقوّة مدده وفي صفائه بجودة عدده مثل المصباح في القنديل الماء مكان العقل منه ، والزيت موضع العلم به هو روح المصباح وبمدده يكون ظهور اليقين ، والفتيلة مكان الإيمان منه هو أصله وقوامه الذي يظهر بها ، فعلى قدر قوّة الفتيلة وجودة جوهرها يقوى اليقين وهو مثل الإيمان في قوّته بالورع وكماله بالخوف ، وعلى مقدار صفاء الزيت ورقته واتساعه تضيء النار التي من اليقين وهو مثل العلم في مدد الزهد وفقد الهواء فصار العلم مكانا للتوحيد فتمكن الموحد في التوحيد على قدر المكان فكلما اتسع القلب بالعلم باللّه تعالى وزهد في الدنيا ازداد إيمانا وعلا لأنه يرى في علوه ما لا يراه غيره ويعلم في اتساعه ما لا يعلمه سواه ، فليكثر المؤمن به فيكون ذلك مزيد ايمانه وقوّته ، ثم يشهد كل ما أمر به فيكون بذلك يقينه وسعة مشاهدته وكلما قصر علم القلب باللّه سبحانه وتعالى بمعاني صفاته وأحكام ملكوته قلّت المؤمنات فقلّ إيمان هذا العبد ، ثم أشهد ما آمن به من وراء حجاب لما غلب عليه من حب الأسباب وسمع الكلام من خلف يعجزه عن المسارعة إلى البر فيضعف بذلك ايمانه ويختل مشاهدته ولا يتحقق فليس من علم من قدر اللّه تعالى وصفاته وأحكامه وآياته مائة ألف معنى ، ثم شهدها كلها من قرب عن كشف مثل من علم منها عشرة معان ، ثم شهدها من بعد عن حجاب وهما مؤمنان معا لكن بين إيمانهما في القرب والعلو والزيادة والنقصان كما بين العشرة إلى مائة ألف ، فيكون إيمان قلب المسلم معشار عشر إيمان قلب الموقن ، والمعشار هو عشر العشر جزء من مائة جزء ، ويكون ايمان قلب الموقن فيما بين ذلك من الزيادة على العشر والنقصان عن مائة ألف على قدر قسمه . ( وتتبين لك هذه المراتب بمثال وهو أن تصديقك بكون زيد مثلا في الدار له ثلاث درجات . الأولى : أن يخبرك به من جربته بالصدق ولم تعرفه بالكذب ولا تتهمه في القول فإن قلبك يسكن إليه ويطمئن به بمجرد السماع وهذا هو الإيمان بمجرد التقليد ) فإن من حسن اعتقاده في