من ذلك للقلب هي الجنة بعينها عند قوم وهو سبب استحقاق الجنة عند أهل الحق ، ويكون سعة ملكه في الجنة بحسب سعة معرفته وبمقدار ما تجلى له من اللّه وصفاته وأفعاله وإنما مراد الطاعات وأعمال الجوارح كلها تصفية القلب وتزكيته وجلاؤه
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها
[ الشمس : 9 ] ومراد تزكيته حصول أنوار الإيمان فيه أعني اشراق نور المعرفة وهو المراد بقوله تعالى :
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
[ الأنعام :
125 ] وبقوله :
أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ
[ الزمر : 22 ] .
نعم هذا التجلي وهذا الإيمان له ثلاث مراتب .
شرح
ومملكته من عبيده وأفعاله . وقد اتفق العارفون على ذلك فهم لم يروا في الوجود إلا الواحد الحق وأفعاله ، لكن منهم من كان له هذا الحال عرفانا علميا ، ومنهم من صار له ذلك ذوقا حاليا وانتفت عنهم الكثرة بالكلية واستغرقوا بالفردانية المحضة واستوفيت فيها عقولهم فصاروا كالمبهوتين فيه ، ولم يبق منهم متسع لا لذكر غير اللّه ولا لذكر أنفسهم أيضا فلم يكن عندهم إلا اللّه ، ( فما يتجلى من ذلك للقلب هو الجنة بعينها عند قوم ) من العارفين ( وهو سبب استحقاق الجنة عند أهل الحق ويكون سعة ملكه في الجنة بسبب سعة معرفته ) واتساع باعه في اليقين ، ( وبمقدار ما تجلى له من اللّه وصفاته وأفعاله ) وفي ذلك يتفاوتون على قدر مقاماتهم وسعة معرفتهم ، ( وإنما مراد الطاعات وأعمال الجوارح كلها تصفية القلب وتزكيته وجلاؤه ) قال اللّه تعالى : (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها) أي النفس وبتزكية النفس يحصل تزكية القلب وفي بعض النسخ ، وقد أفلح من زكاه أي القلب ، ( ومراد تزكيته حصول أنوار الإيمان فيه . أعني إشراق نور المعرفة ) باللّه فيترقى من الحضيض إلى أوج الحقيقة ، فيرى بالمشاهدة العيانية ان ليس في الوجود إلا اللّه وإن كل شيء هالك إلا وجهه ، ونصيب كل عبد من ذلك حسب قسمه من اليقين وقسمه من اليقين عن قربه من القريب جل وعلا وقربه على حسب قرب اللّه تعالى من قلبه بقدر علمه باللّه واتساعه فيه على نحو مكانه من نور الإيمان ومزيد إيمانه على قدر إحسان اللّه إليه وإحسانه إليه على قدر عنايته به وإيثاره له ، ( وهو المراد بقوله تعالى :فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) فالنور إذا قذف في القلب انشرح له الصدر فظهرت له العلامات الدالة عليه من الإنابة والاستعداد للموت وغيرها كما سيأتي ( وبقوله ) تعالى :أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِفويل للقاسية قلوبهم من ذكر اللّه .
( نعم هذا التجلي وهذا الإيمان له ثلاث مراتب ) .
اعلم أن التجلي يستدعي رفع الحجاب ومعرفة الحجاب وسببه وما يقابله ، فرفع الحجاب هو الانكشاف الحاصل للقلب بنور الايمان ، وأما الحجاب فهو انتكاس القلب وانغلاقه وسببه الظلمة ، وأما ما يقابله فهو نور الإيمان ويندرج فيه نور العلم ونور الذوق واللّه سبحانه وتعالى يتجلى في ذاته بذاته لذاته ويكون الحجاب في الإضافة إلى محجوب لا محالة ، فالمحجوبون على أقسام ومراتب ،