تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
حسد » . ولذلك قال عمر رضي اللّه عنه : رأى قلبي ربي إذ كان قد رفع الحجاب بالتقوى ، ومن ارتفع الحجاب بينه وبين اللّه تجلى صورة الملك والملكوت في قلبه فيرى جنة عرض بعضها السماوات والأرض ، أما جملتها فأكثر سعة من السماوات والأرض لأن السماوات والأرض عبارة عن عالم الملك والشهادة وهو وإن كان واسع الأطراف متباعد الأكناف فهو متناه على الجملة ، وأما عالم الملكوت وهي الأسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار المخصوصة بإدراك البصائر فلا نهاية له ، نعم الذي يلوح للقلب منه مقدار متناه ولكنه في نفسه وبالإضافة إلى علم اللّه لا نهاية له . وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذت دفعة واحد تسمى الحضرة الربوبية ، لأن الحضرة الربوبية محيطة بكل الموجودات إذ ليس في الوجود شيء سوى اللّه تعالى وأفعاله ، ومملكته وعبيده من أفعاله ، فما يتجلى
شرح
( ولذلك قال عمر ) بن الخطاب رضي اللّه عنه : ( رأى قلبي ربي إذ كان قد رفع الحجاب ) بينه وبين قلبه ( بالتقوى ) ومزيد الإيمان وقوته بما أورثه سعة المشاهدة ، ( ومن ارتفع الحجاب بينه وبين قلبه تجلى صورة الملك والملكوت في قلبه ) فالملك عالم الشهادة والملكوت عالم الباطن ، ( فيرى ) بعين بصيرته ( جنة عرض بعضها السماوات والأرض أما جملتها فأكثر سعة من السماوات والأرض لأن السماوات والأرض عبارة عن عالم الملك والشهادة ، وهو وإن كان واسع الأطراف متباعد الأكناف ) أي النواحي ( فهو متناه على الجملة ، وأما عالم الملكوت وهو الأسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار المخصوص بإدراك البصائر ) لاختصاصه بأرواح النفوس ( فلا نهاية له ) لسعته ، وعالم الشهادة بالنسبة إلى عالم الملكوت كالقشرة بالنسبة إلى اللب ، وكالصورة والقالب بالنسبة إلى الروح ، وكالظلمة بالنسبة إلى النور ، وكالسفل بالنسبة إلى العلو ، ولذلك يسمى عالم الملكوت العالم العلوي والعالم الروحاني والعالم النوراني وفي مقابلته العالم السفلي والجسماني والظلماني . ( نعم الذي يلوح للقلب منه مقدار متناه ولكنه في نفسه وبالإضافة إلى علم اللّه لا نهاية له ) كما لا نهاية لمعلوماته ، ( وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذت دفعة واحدة تسمى الحضرة الربوبية ) وحضرة الإلهية غير حضرة الملك وغير حضرة الربوبية ، ولذلك أمر بالعياذ بجميع هذه الحضرات فقال :قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلهِ النَّاسِ[ الناس : 1 - 3 ] وتمييز حضرة الملك من حضرة الربوبية يستدعي شرطا طويلا ، ولكل من حضرات الإلهية الخمس عوالم فحضرة الشهادة عالمها عالم الملك وحضرة الغيب المضاف عالمها عالم الملكوت ، وعالم الملك مظهر عالم الملكوت ولا يكون العبد ملكوتيا إلا وتبدل في حقه الأرض غير الأرض والسماوات ، ويصير كل ما هو داخل تحت الحس والخيال أرضه ، ومن جملتها السماوات وكل ما ارتفع عن الحس سماؤه وهذا هو المعراج الأوّل لكل سالك ابتدأ سفره إلى قرب الحضرة الربوبية ، ( لأن الحضرة الربوبية محيطة بكل الموجودات إذ ليس في الوجود شيء سوى اللّه وأفعاله ومملكته وعبيده من أفعاله ) . وفي بعض النسخ :
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 431 | مرتضى الزبيدي