تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 428

مساهمون:

ص٤٢٨
في تلك الازورارات . فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب من معرفة حقائق الأمور . وإلّا فكل قلب فهو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق لأنه أمر رباني شريف فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف وإليه الإشارة بقوله عز وجل :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ
[ الأحزاب : 72 ] إشارة إلى أن له خاصية تميز بها عن السماوات والأرض والجبال بها صار مطيقا لحمل أمانة اللّه تعالى ، وتلك الأمانة هي المعرفة والتوحيد وقلب كل آدمي مستعد لحمل الأمانة ومطيق لها في الأصل ، ولكن يثبطه عن النهوض بأعبائها والوصول إلى تحقيقها الأسباب التي ذكرناها ، ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كل مولود يولد على الفطرة وإنما أبواه يهوّدانه وينصرانه
شرح
أي يندر وجود ( من يهتدي إلى كيفية الحيلة في تلك الازورارات ) والتحريفات . ( فهذه هي الأسباب المانعة للقلوب عن معرفة حقائق الأمور وإلّا فكل قلب فهو بالفطرة صالح لمعرفة الحقائق لأنه أمر رباني شريف ) إذ هو عبارة عن تلك اللطيفة وهو جوهر لطيف ( فارق سائر جواهر العالم بهذه الخاصية والشرف ) وهي الصلوح لمعرفة الحقائق ، ( وإليه الإشارة بقوله تعالىإِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ ) إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًاففيه ( إشارة إلى أن له خاصية تميز بها عن السماوات والأرض والجبال بها صار مطيقا ) أي قادرا ( لحمل أمانة اللّه تعالى ، وتلك الأمانة ) اختلف فيها على أقوال : منها ( هي المعرفة ) للحقائق كما هي ، ( والتوحيد ) للّه تعالى العاري عن الحلول والاتحاد والإيجاد ، ( وقلب كل آدمي مستعد لحمل الأمانة ومطيق لها في الأصل ) أي في أصل فطرته ، ( ولكن يثبطه ) أي يؤخره ( عن النهوض ) أي القيام ( بأعبائها ) أي أثقالها ( والوصول إلى تحقيقها الأسباب ) المانعة التي ذكرناها ، ( ولذلك قال صلّى اللّه عليه وسلّم « كل مولود ) من بني آدم ( يولد على الفطرة ) اللام للعهد والمعهود . فطرة اللّه التي فطر الناس عليها أي الخلقة التي خلق الناس عليها من الاستعداد لقبول الدين والتهيؤ للتمييز بين الخطأ والصواب ، ( وإنما أبواه ) والداه هما اللذان ( يهوّدانه ) أي يصيرانه يهوديا بأن يدخلاه في دين اليهودية المحرف المبدل ( وينصرانه ) أي يصيرانه نصرانيا ( ويمجسانه » ) أي يدخلانه في دين المجوسية ، كذلك بأن يصدّاه عما ولد عليه ويزينان له الملة المبدلة والنحل الزائغة ولا ينافيه لا تبديل لخلق اللّه ، لأن المراد به لا ينبغي أن تبدل تلك الفطرة التي من شأنها أن لا تبدل أو هو خبر بمعنى النهي . قال العراقي : متفق عليه من حديث أبي هريرة اه . قلت : رواه البخاري بلفظ المصنف إلا أنه قال : « فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه » وزاد « كمثل البهيمة تنتج البهيمة هل ترى فيها من جدعاء » . ولفظ مسلم « كل إنسان تلده أمه على الفطرة فأبواه بعد يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه فإن كانا مسلمين فمسلم » الحديث . وقد رواه الترمذي وقال : حسن صحيح بلفظ : « كل مولود يولد