لرأى نفسه ماثلا بين يدي خنزير ساجدا له مرة راكعا أخرى ومنتظرا لإشارته وأمره .
فمهما هاج الخنزير لطلب شيء من شهوته انبعث على الفور في خدمته وإحضار شهوته ، أو رأى نفسه ماثلا بين يدي كلب عقور عابدا له مطيعا سامعا لما يقتضيه ويلتمسه مدققا بالفكر في حيل الوصول إلى طاعته وهو بذلك ساع في مسرة شيطانه فإنه الذي يهيج الخنزير ويثير الكلب ويبعثهما على استخدامه فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما فليراقب كل عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه وقيامه وقعوده ، ولينظر بعين البصيرة فلا يرى إن أنصف نفسه إلا ساعيا طول النهار في عبادة هؤلاء ، وهذا غاية الظلم إذ جعل المالك مملوكا والرب مربوبا والسيد عبدا والقاهر مقهورا ، إذ العقل هو المستحق للسيادة والقهر والاستيلاء وقد سخره لخدمة هؤلاء الثلاثة فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعة هؤلاء الثلاثة صفات تتراكم عليه حتى يصير طابعا ورينا مهلكا للقلب ومميتا له ، أما طاعة خنزير الشهوة فيصدر منها صفة الوقاحة والخبث والتبذير والتقتير
شرح
اليقظة لرأى نفسه ماثلا بين يدي خنزير ساجدا له مرة وراكعا أخرى ومنتظرا لإشارته و ) واقفا عند ( أمره ) ونهيه ، ( فمهما هاج الخنزير لطلب شيء من شهوته انبعث على الفور في خدمته واحضار شهوته أو رأى نفسه ماثلا بين يدي كلب عقور عابدا له مطيعا لما يقتضيه ويلتمسه مدققا للفكر في حيل الوصول إلى طاعته وهو بذلك ساع ) مجد ( في مسرة شيطانه ، فإنه الذي يهيج الخنزير ويثير الكلب ويبعثهما على استخدامه ، فهو من هذا الوجه يعبد الشيطان بعبادتهما ) أي بواسطتهما فكيف ينكر من هو مثل هذا على عبدة الأصنام مع إقرارهم بأنهم إنما يعبدونها لتقربهم إلى اللّه زلفى ، وعابد الخنزير والكلب أسوأ حالا منهم لفواتهم تلك النية ( فليراقب كل عبد حركاته وسكناته وسكوته ونطقه وقعوده وقيامه ) وسائر أحواله ( ولينظر بعين البصيرة ) النافذة ( فلا يرى أن أنصف نفسه إلّا ساعيا طول النهار في عبادة هؤلاء ) مسخرا لخدمتهم ، ( وهذا غاية الظلم إذ جعل المالك مملوكا والرب مربوبا والسيد عبدا والقاهر مقهورا إذ العقل هو المستحق للسيادة والقهر والاستيلاء ) لأنه جوهر الروح العلوي ولسانه والدال عليه ، ( وقد سخره لخدمة هؤلاء ) وذلله لها ، ( فلا جرم ينتشر إلى قلبه من طاعة هؤلاء الثلاث صفات تتراكم عليه ) وتتزاحم ( حتى تصير طابعا ورينا مهلكا للقلب ومميتا له ) وإليه الإشارة بقوله تعالى : بلطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ[ التوبة : 93 ] « 1 » وقوله تعالى :كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ[ المطففين : 14 ] ( أما طاعة خنزير الشهوة فتصدر منها صفة الوقاحة ) أي قلة الحياء ( والخبث ) وهو الوصف الجامع لكل ما يضاد الطيب ( والتبذير ) وهو تفريق المال على وجه الإسراف ( أو التقتير ) وهو
هامش
( 1 ) وتصويب الآية : « وطبع اللّه على قلوبهم فهم لا يعلمون » .