تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 410

مساهمون:

ص٤١٠
قوله تعالى :
أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
[ الفتح : 29 ] ، وقوله تعالى :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
[ النور : 35 ] قال أبي بن كعب رضي اللّه عنه : معناه مثل نور المؤمن
شرح
علي ، وروى الطبراني في الكبير من حديث أبي عنبه الخولاني مرفوعا « إن للّه تعالى آنية من أهل الأرض وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين وأحبها إليه ألينها وأرقها » وأبو عنبة قيل له صحبة ، وقيل بل ولد في عهده صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يره ، وإنما صحب معاذ بن جبل ونزل دمشق . قال البيهقي : إسناده حسن ، وقال شيخه العراقي : فيه بقية بن الوليد وهو مدلس لكنه صرح بالتحديث فيه . قال صاحب القوت : ( ثم فسره ) أي علي رضي اللّه عنه ( فقال : أصلبها في الدين وأصفاها في اليقين وأرقها على الإخوان ) إلى هنا نص القوت ، ( وهو إشارة إلى قوله تعالى :أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) قال صاحب القوت : فمثل القلوب مثل الأواني في تفاوت وجوهرها أرقها وأصفاها أعلاها يصلح للوجه والملك والطيب وأكثفها وأدناها يصلح للأدناس ، وما بين ذلك يصلح لما بينهما . ومثلها أيضا مثل الموازين الطيار اللطيف المعيار يصلح لوزن الذهب والكثيف الجافي يصلح للقت وما بينهما يصلح لما بينهما فيوزن بكل ميزان ما يصلح له ، كما يلقي في كل إناء ما يليق به كذلك الحكمة والحكم في الملكوت الباطن كالحكمة والحكم في الملك الظاهر بتعديل الظاهر الباطن اه . وقال بعض شراح الحديث عند قوله : « ألينها وأرقها » أي فإن القلب إذا لان ورق انجلى وصار كالمرآة الصقيلة ، فإذا أشرقت عليه أنوار الملكوت أضاء الصدر وامتلأ من شعاعها فأبصرت عينا الفؤاد باطن أمر اللّه في خلقه ، فيؤديه ذلك إلى ملاحظة نور اللّه فإذا لاحظه فذلك قلب استكمل الزينة والبهاء بما رزق من الصفاء ، فصار محل نظر اللّه من بين خلقه فكلما نظر إلى قلبه زاد به فرحا وله حبا وعزا واكتنفه بالرحمة وأزاحه من الزحمة وملأه من أنوار العلوم اه . وأشار إليه ( قوله تعالىمَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌقال أبيّ بن كعب ) رضي اللّه عنه في تفسيره ( معناه : مثل نور المؤمن وقلبه . وقوله :أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّمثل قلب المنافق ) ولفظ القوت فسره أبي بن كعب قال : مثل نور المؤمن وكذلك كان يقرؤه قال : فقلب المؤمن هو المشكاة فيها مصباح كلامه نور ، وعمله نور ، ويتقلب في نور ، ثم قال في قوله تعالى :أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّقال : قلب المنافق فكلامه ظلمة وعمله ظلمة يتقلب في ظلمة اه . قلت : أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أبي بن كعب « اللّه نور السماوات مثل نوره » قال : هو المؤمن الذي قد جعل الإيمان والقرآن في صدره فضرب اللّه مثله فقال ( اللّه نور السماوات والأرض ) فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال : « مثل نور من آمن به » فكان أبي بن كعب يقرؤها مثل نور من آمن به فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره كمشكاة . قال : فصدر المؤمن المشكاة فيها مصباح المصباح النور ، وهو القرآن والإيمان الذي جعل في صدره والزجاجة قلبه فقلبه مما استنار فيه القرآن والإيمان ، فكأنها كوكب درّي أي مضيء والشجرة المباركة أصله المبارك الإخلاص للّه وحده
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 410 | مرتضى الزبيدي