تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 407

مساهمون:

ص٤٠٧
وما من عضو من الأعضاء ولا حاسة من الحواس إلا ويمكن الاستعانة به على طريق الوصول إلى اللّه تعالى كما سيأتي بيان طرف منه في كتاب الشكر ، فمن استعمله فيه فقد فاز ، ومن عدل عنه فقد خسر وخاب . وجملة السعادة في ذلك أن يجعل لقاء اللّه تعالى مقصده ، والدار الآخرة مستقره ، والدنيا منزله ، والبدن مركبه ، والأعضاء خدمه ، فيستقر هو - أعني المدرك من الإنسان - في القلب الذي هو وسط مملكته كالملك ، ويجري القوة الخيالية المودعة في مقدم الدماغ مجرى صاحب بريده إذ تجتمع أخبار المحسوسات عنده ، ويجري القوة الحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ مجرى خازنه ، ويجري اللسان مجرى ترجمانه ، ويجري الأعضاء المتحركة مجرى كتابه ، ويجري الحواس الخمس مجرى جواسيسه فيوكل كل
شرح
الهدى والضلال ، ومن وجه موالاة اللّه تعالى وموالاة الشيطان ، ومن وجه النور والظلمة ، ومن وجه الحياة والموت ، فمن وفقه اللّه تعالى للهدى وأعطاه قوة لبلوغ الهدى فراعى نفسه وزكاها فقد أفلح ، ومن حرم التوفيق فأحرم نفسه ودساها فقد خاب وخسر . ( وما من عضو من الأعضاء ولا حاسة من الحواس إلا ويمكن الاستعانة به على طريق الوصول إلى اللّه تعالى ) فإن الخيال يتصوّر المحسوس فتبقى فيه صورته الروحانية فينتقش بها تنقش الشمع بصورة الختم ، ثم يأخذه الفكر فيميز بعضه من بعض بنور العقل فيبحث عن خواصها ومنافعها ومضارها ، ثم يؤديه إلى القوة الحافظة فإن أراد ابرازه قولا سلط عليه القوى الناطقة فتعبر عنه باللسان ، وإن أراد ابرازه فعلا سلط عليه القوى العاملة فتوجده بالجوارح ، ( كما سيأتي بيان طرقه منه في كتاب الشكر ) إن شاء اللّه تعالى ( فمن استعمله فيه ) أي في طريق الوصول إلى اللّه تعالى ( فقد فاز ) وأفلح ، ( ومن عدل عنه فقد خاب وخسر ) وإليه الإشارة بقوله :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها[ الشمس : 9 ، 10 ] وقد أشار المصنف إلى ضرب مثل لهذه القوى يعرف منه تصور تأثيرها فقال : ( وجمله السعادة في ذلك أن يجعل لقاء اللّه تعالى مقصده ، والدار الآخرة مستقره ، والدنيا طريقه ، والبدن مركبه ، والأعضاء خدمه ، فيستقر هو - أعني المدرك من الإنسان - في القلب الذي هو وسط مملكته ) أو القوى المفكرة أسكنها وسط الدماغ ( كالملك ) يسكن وسط المملكة ، ( ويجري القوة الخيالية المودعة في مقدم الدماغ مجرى صاحب بريده إذ تجتمع أخبار المحسوسات عنده ) فيبلغها الملك ، ( ويجري القوّة الحافظة التي مسكنها مؤخر الدماغ مجرى خازنه ) الذي يجمع ما دخل ويحفظه ( ويجري اللسان ) وهي القوة الناطقة ( مجرى ترجمانه ) الذي يترجم له عن الغير ، ( ويجري الأعضاء المتحركة ) وهي القوّة العاملة ( مجرى
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 407 | مرتضى الزبيدي