تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥
المقربين من رب العالمين . والإنسان على رتبة بين البهائم والملائكة ، فإن الإنسان من حيث يتغذى وينسل فنبات ومن حيث يحس ويتحرك بالاختيار فحيوان ، ومن حيث صورته وقامته فكالصورة المنقوشة على الحائط ، وإنما خاصيته معرفة حقائق الأشياء . فمن استعمل جميع أعضائه وقواه على وجه الاستعانة بها على العلم والعمل ، فقد تشبه بالملائكة ، فحقيق بأن يلحق بهم وجدير بأن يسمى ملكا وربانيا كما أخبر اللّه تعالى عن صواحبات يوسف عليه السلام بقوله :
ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ
[ يوسف : 31 ] . ومن صرف همته إلى اتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام فقد انحط إلى
شرح
والدرجة لا بالمكان ، ثم الموجودات منقسمة بين حية وميتة ، وتعلم أن الحي أشرف وأكمل من الميت ، وأن درجات الأحياء ثلاث درجات درجة الملائكة ودرجة الإنس ودرجة البهائم فأما درجة البهائم فهي أسفل في نفس الحياة التي بها شرفها لأن الحي هو الدراك الفعال وفي إدراك البهيمة نقص ، وفي فعلها نقص . أما إدراكها فنقصانه أنه مقصور على الحواس وإدراك الحس قاصر لأنه لا يدرك الأشياء إلا بمماسة أو قرب منها ، فالحس معزول من الإدراك إن لم يكن مماسة ولا قرب ، فإن اللمس والذوق يحتاجان إلى المماسة والسمع والبصر والشم يحتاجون إلى القرب ، وكل موجود لا يتصور فيه مماسة وقرب فالحس معزول من إدراكه في هذه الحالة . وأما فعلها فهو أنه مقصور على مقتضى الشهوة والغضب لا باعث لها سواهما ، وليس لها عقل يدعو إلى أفعال مخالفة لمقتضى الشهوة والغضب ، وأما الملك فدرجته أعلى الدرجات لأنه عبارة عن موجود لا يؤثر القرب والبعد في إدراكه بل لا يقتصر إدراكه على ما يتصور فيه القرب والبعد إذ القرب والبعد يتصور على الأجسام والأجسام أخص أقسام الموجودات ، ثم هو مقدس عن الشهوة والغضب ، فليست أفعاله بمقتضاهما بل داعية إلى الأفعال أمر هو أجل منهما وهو طلب القرب إلى اللّه تعالى . ( و ) أما ( الإنسان ) فهو ( على رتبة بين البهائم والملائكة ) ودرجته متوسطة بين الدرجتين ، ( فإن الإنسان من حيث ) ما ( يتغذى وينسل فنبات ، ومن حيث ) ما ( يحس ويتحرك بالاختيار فحيوان ، ومن حيث صورته ) التخطيطية ( وقامته فكالصورة المنقوشة على الحائط ، وإنما ) فضيلته بالنطق وقواه ومقتضاه و ( خاصيته معرفة حقائق الأشياء ) بتلك القوى ، ولهذا قيل : ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة أو صورة ممثلة فالإنسان يضارع الملك بقوة العلم والنطق والفهم ، وضارع البهائم بقوة الغذاء والنكاح ، ( فمن استعمل جميع أعضائه وقواه ) وصرف همته كلها ( على وجه الاستعانة بها على العلم ) النافع ( والعمل ) المحكم ( فقد تشبه بالملائكة ، فحقيق بأن يلحق بهم ) أي بأفقهم ، ( وجدير بأن يسمى ملكا وربانيا كما قال تعالى :إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) يعني به يوسف عليه السلام ، ( ومن صرف همته ) كلها ( إلى ) رتبة القوة الشهوية في ( اتباع اللذات البدنية يأكل كما تأكل الأنعام فقد انحط