تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 406

مساهمون:

ص٤٠٦
حضيض أفق البهائم فيصير إما غمرا كثور ، وإما شرها كخنزير ، وإما ضرعا ككلب أو سنور أو حقودا كجمل ، أو متكبرا كنمر . أو ذا روغان كثعلب أو يجمع ذلك كله كشيطان مريد .
شرح
إلى حضيض أفق البهائم فيصير إما عمرا ) بضم الغين وسكون الميم هو الجاهل البليد المحض ( كثور ) ويضرب به المثل في البلادة حتى قالوا : وما عليّ إذا لم تفهم البقر . ( واما شرها ) أي حريصا ( كخنزير ، وإما ضرعا ) أي متملقا ( ككلب أو حقودا كجمل أو متكبرا كنمر أو ذا روغان ) محركة أي حيلة ( كثعلب ) وفيه قال الشاعر :يعطيك من طرب اللسان حلاوة * ويروغ عنك كما يروغ الثعلبوهذه خواص للحيوانات المذكورة حتى قالوا : أبلد من الثور ، وأشره من خنزير ، وأضرع من كلب ، وأحقد من جمل ، وأروغ من ثعلب ، ( أو يجمع ذلك كله ) فيكون ( كشيطان مريد ) أي متمرد ، وعلى ذلك قوله تعالى :وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ[ المائدة : 60 ] ولكون كثير من صورته صورة الإنسان وليس هو في الحقيقة إلا كبعض الحيوان قال اللّه تعالى في الذين لا يعقلون عن اللّه :إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ[ الفرقان : 44 ] وقال :إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ[ الأنفال : 22 ] وقال تعالى :إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ[ الأنفال : 55 ] يبين أن الذين كفروا ولم يستعملوا القوة التي جعلها اللّه تعالى لهم هم شر من الدواب . وقال تعالى :وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَنِداءً[ البقرة : 171 ] أي مثل واعظ الكافرين كمثل ناعق الأغنام تنبيها أنهم فيما يقال لهم كالبهائم وبهذا النظر عبر الشاعر عن بعض من ذمه فقال :اللؤم من وبر ووالده * واللؤم أكبر من وبر وما ولداولم يقل ومن ولدا تنبيها أنه لا يستحق أن يقال « من » لكونه بهيمة وعلى هذا المعنى قال المتنبي : تخطى إذا جئت في استفهامها بمن ولما ذكرنا لم يكن بين بعض هذه الأنواع وبضعها من التفاوت ما بين إنسان وإنسان فإنك قد ترى واحدا كعشرة بل واحدا كمائة وعشرة أخرى هدر دون واحد كما قال الشاعر :ولم أر أمثال الرجال تفاوتت * لدى المجد حتى الألف منهم كواحدبل قد ترى واحدا بعشرة آلاف ، وترى عشرة آلاف دون واحد ، وقال الراغب في الذريعة : الإنسان لما ركب تركيبا بين بهيمة وملك فشبهه بالبهيمة بما فيه من الشهوات البدنية من المأكل والمشرب والمنكح ، وشبهه بالملك بما فيه من القوى الروحانية من الحكمة والعدال والحور ، فصاروا واسطة بين جوهرين وضيع ورفيع . ولهذا قال تعالى :وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ[ البلد : 10 ] والنجدان من وجه العقل والهدى ، ومن وجه الآخرة والدنيا ، ومن وجه الإيمان والكفر ، ومن وجه