تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
المعرفة بجلال اللّه وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء » . ومن هذه الجملة يتبين أن خاصية الإنسان العلم والحكمة . وأشرف أنواع العلم هو العلم باللّه وصفاته وأفعاله فبه كمال الإنسان وفي كماله سعادته وصلاحه لجوار حضرة الجلال والكمال ، فالبدن مركب للنفس والنفس محل للعلم والعلم هو مقصود الإنسان وخاصيته التي لأجله خلق ، وكما أن الفرس يشارك الحمار في قوة الحمل ويختص عنه بخاصية الكر والفر وحسن الهيئة ، فيكون الفرس مخلوقا لأجل تلك الخاصية ، فإن تعطلت منه نزل إلى حضيض رتبة الحمار وكذلك الإنسان يشارك الحمار والفرس في أمور ويفارقهما في أمور هي خاصيته ، وتلك الخاصية من صفات الملائكة
شرح
وعظمته ، ( وإليه الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء » ) رواه أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه ، وقد تقدم في الصيام . ( ومن هذه الجملة يتبين أن خاصية الإنسان العلم والحكمة ) وبهما يفضل . ( وأشرف أنواع العلم هو العلم باللّه وصفاته وأفعاله ) على ما ينبغي بذلك ( فبه كمال الإنسان ) وفضله ، ( وفي كماله سعادته وصلاحه لجوار حضرة الكمال والجلال ) وإليه الإشارة بقوله :وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ( فالبدن مركب للنفس ، والنفس محل للعلم ، والعلم هو مقصود الإنسان ) وأقصى رغبته ، ( وخاصيته التي لأجلها خلق ) قال تعالى :وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ[ الذاريات : 56 ] ( وكما أن الفرس يشارك الحمار في قوة الحمل ويختص عنه بخاصية الكرّ والفر ) أي الحمل على العدو والفرار عنه عند المطالبة ( وحسن الهيئة فيكون الفرس مخلوقا لأجل تلك الخاصية ، فإن تعطلت منه نزل إلى حضيض رتبة الحمار ) فيكونان سواء في الرتبة ، ( فكذلك الإنسان يشارك الحمار والفرس في أمور ، يفارقه في أمور هي خاصيته ، وتلك الخاصية من صفات الملائكة المقربين من اللّه تعالى ) . وفي الذريعة : كل ما أوجد لفعل ما فشرفه بتمام ذلك الفعل منه ودناءته بفقدان ذلك الفعل منه كالفرس للعدو ، والسيف للقطع ، والعمل المختص به في القتال ، ومتى لم يوجد فيه المعنى الذي لأجله أوجد كان ناقصا ، فأما أن يطرح طرحا . وإما أن يرد إلى منزل النوع الذي هو دونه كالفرس إذا لم يصلح للعدو اتخذ حمولة أو أعد أكولة فمن لم يصلح لخلافة اللّه ولا لعبادته ولا لاستعمال أرضه فالبهيمة خير منه . وقال في المقصد الأسنى : إن الموجودات منقسمة بين كاملة وناقصة ، فالكامل أشرف من الناقص ، ومهما تفاوتت درجات الكمال واقتصر منتهى الكمال على واحد حتى لم يكن الكمال المطلق إلا له ولم يكن للموجودات الأخر كمال مطلق ، بل كانت لها كمالات متفاوتة بإضافة ، فأكملها أقرب لا محالة إلى الذي له الكمال المطلق أعني قربا بالمرتبة