تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
منازل السائرين إلى اللّه تعالى ، ولا حصر لتلك المنازل . وإنما يعرف كل سالك منزله الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه من المنازل ، فأما ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علما ، لكن قد يصدق به إيمانا بالغيب ، كما انا نؤمن بالنبوّة والنبي ونصدق بوجوده ، ولكن لا يعرف حقيقة النبوّة إلا النبي ، وكما لا يعرف الجنين حال الطفل ولا الطفل حال المميز وما يفتح له من العلوم الضرورية ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية ، فكذلك لا يعرف العاقل ما افتتح اللّه على أوليائه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته
ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها
[ فاطر : 2 ] وهذه الرحمة مبذولة بحكم الجود
شرح
الدرجتين ، فكأنه مركب من بهيمية وملكية ، والأغلب عليه في بداية أمره البهيمية إذ ليس له أولا من الإدراك إلا الحواس التي يحتاج في الإدراك بها إلى طلب القرب من المحسوس بالسعي والحركة إلى أن يشرق عليه في الآخرة نور العقل المتصرف في ملكوت السماوات والأرض من غير حاجة إلى حركة بالبدن وطلب قرب أو مماسة مع المدرك له ، بل يدرك الأمور المقدسة عن قبول القرب والبعد بالمكان ، وكذلك المتولي عليه أولا شهوته وغضبه وبحسب مقتضاهما انبعاثه إلى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة وعصيان مقتضى الشهوة والغضب ، فإن غلب الشهوة والغضب حتى ملكهما وضعفا عن تحريكه وتسكينه أخذ بذلك شبها من الملائكة . وكذلك إن فطم نفسه من الجمود والخيالات والمحسوسات وأنس بالإدراك عن أمور تجل عن أن ينالها حس أو خيال أخذ شبها آخر من الملائكة ، ومهما اقتدى بالملائكة في هاتين الخاصيتين كان أبعد عن البهيمية وأقرب من الملائكة والملك قريب من اللّه تعالى والقريب من القريب قريب اه . ( ومراقي هذه الدرجات هي منازل السائرين إلى اللّه تعالى ولا حصر لتلك المنازل ) لكثرتها ، ( وإنما يعرف كل سالك المنزل الذي بلغه في سلوكه فيعرفه ويعرف ما خلفه ) وفي نسخة ما وراءه ( من المنازل ) التي تعدى عنها لسلوكه فيها ( وأما ما بين يديه فلا يحيط بحقيقته علما ) إذ لم يصل إليها بعد ولم يسلكها ، ( لكن قد يصدق به ) في قلبه ( إيمانا بالغيب كما أنا نؤمن بالنبوة وبالنبي ونصدق بوجوده ، ولكن لا يعرف حقيقة النبوة إلا النبي ) . قال المصنف في المقصد الأسنى : يستحيل أن يعرف النبي غير النبي ، وأما من لا نبوة له أصلا فلا يعرف من النبوة إلا اسمها ، وإنها خاصيته موجودة لإنسان بها يفارق من ليس نبيا ، ولكن لا يعرف ماهية تلك الخاصية إلا النبي خاصة ، فأما من ليس بنبي فلا يعرفها البتة ولا يفهمها إلا بالتشبيه بصفات نفسه اه . ( وكما لا يعرف الجنين ) الذي في بطن الأم ( حال الطفل ولا الطفل حال المميز وما انفتح له من العلوم الضرورية ) الأولية ( ولا المميز حال العاقل وما اكتسبه من العلوم النظرية فلا يعرف عاقل ما انفتح على أولياء اللّه وأنبيائه من مزايا لطفه ورحمته ) قال تعالى : (ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهاوهذه الرحمة ) المفتوح بابها لخاصة ( مبذولة