تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
للحيوان الشهوة والغضب والحواس الظاهرة والباطنة أيضا ، حتى أن الشاة ترى الذئب بعينها فتعلم عداوته بقلبها فتهرب منه ، فذلك هو الإدراك الباطن . فلنذكر ما يختص به قلب الإنسان ولأجله عظم شرفه واستأهل القرب من اللّه تعالى وهو راجع إلى علم وإرادة . أما العلم فهو العلم بالأمور الدنيوية والأخروية والحقائق العقلية فإن هذه أمور وراء المحسوسات ولا يشاركه فيها الحيوانات بل العلوم الكلية الضرورية من خواص العقل ، إذ يحكم الإنسان بأن الشخص الواحد لا يتصوّر أن يكون في مكانين في حالة واحدة ، وهذا حكم منه على كل شخص ومعلوم أنه لم يدرك بالحس إلا بعض الأشخاص فحكمه على جميع الأشخاص زائد على ما أدركه الحس . وإذا فهمت هذا في العلم الظاهر الضروري فهو في سائر النظريات أظهر . وأما الإرادة فإنه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وطريق الصلاح فيه انبعث من ذاته شوق إلى جهة المصلحة وإلى تعاطي أسبابها والإرادة لها . وذلك غير إرادة الشهوة وإرادة
شرح
الشهوة والغضب ) ، وذلك لأن الشهوة أقدم القوى وجودا وأشدها تثبتا وأكثرها تمكنا ، فإنها تولد مع الإنسان وتوجد فيه وفي الحيوان الذي هو جنسه بل النبات الذي هو جنس جنسه ثم توجد فيه قوة الحمية ، ( والحواس الظاهرة والباطنة أيضا حتى أن الشاة ترى الذئب بعينها وتعلم عداوته بقلبها فتهرب منه فذلك إدراك الباطن ) لكن ذكر الراغب أن القوة المفكرة للإنسان خاصة لا للحيوان ، ( فلنذكر ما يختص به قلب الإنسان ولأجله عظم شرفه واستأهل القرب ) أي صار أهلا للقرب ( من اللّه تعالى وهو ) أي ذلك الاختصاص ( راجع إلى علم وإرادة ) . ( أما العلم : فهو العلم بالأمور الدينية والأخروية ) أي ما يتعلق بالدين والآخرة ( والحقائق العقلية ، فإن هذه أمور وراء المحسوسات ) بالأبصار ( ولا يشارك فيها الحيوانات ، بل العلوم الكلية الضرورية ) التي لا يتوقف إدراكها على نظر واستدلال ( من خواص العقل : إذ يحكم الإنسان بأن الفرس الواحد لا يتصور أن يكون في مكانين في حالة واحدة ، وهذا حكم منه على كل فرس . ومعلوم أنه لم يدرك بالحس إلا بعض الأفراس فحكمه على جميع الأفراس زائد على ما أدركه الحس ) فهو من الأمور المعقولة ، ( وإذا فهمت هذا في هذا العلم الظاهر الضروري فهو في سائر النظريات أظهر ) فهذا هو العلم بقسميه . ( وأما الإرادة : فهو أنه إذا أدرك بالعقل عاقبة الأمر وطريق الصلاح فيه انبعث من ذاته شوق إلى وجه المصلحة وإلى تعاطي أسبابها ) التي توصله إليها ، ( وإرادة لها . وذلك غير