تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
المثال الثالث : مثل العقل مثال فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه فمتى كان الفارس حاذقا وفرسه مروضا وكلبه مؤدبا معلما كان جديرا بالنجاح ، ومتى كان هو في نفسه أخرق وكان الفرس جموحا والكلب عقورا فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ولا كلبه يسترسل بإشارته مطيعا ، فهو خليق بأن يعطب فضلا عن أن ينال ما طلب ، وإنما خرق الفارس مثل جهل الإنسان وقلة حكمته وكلال بصيرته ، وجماح الفرس مثل غلبة الشهوة خصوصا شهوة البطن والفرج ، وعقر الكلب مثل غلبة الغضب واستيلائه . نسأل اللّه حسن التوفيق بلطفه . بيان خاصية قلب الإنسان : اعلم أن جملة ما ذكرناه قد أنعم اللّه به على سائر الحيوانات سوى الآدمي ، إذ
شرح
( المثال الثالث : مثل العقل مثل فارس متصيد وشهوته كفرسه وغضبه ككلبه ، فمتى كان الفارس حاذقا ) أي ماهر في فروسيته ( وفرسه مروضا ) أي قد ريضت بالتعليم في الإقدام والإحجام ، ( وكلبه مؤدبا معلما ) بأخذ الصيد ، ( كان جديرا بالنجح ) أي إدراك حاجته من الصيد ، ( ومتى كان هو في نفسه أخرق ) هو الذي لا يحسن العمل ، ( وكان الفرس جموحا ) صعبا أو حرونا ( والكلب عقورا ) يعقر الصيد لنفسه ، ( فلا فرسه ينبعث تحته منقادا ) لجماحه ، ( ولا كلبه يسترسل بإشارته ) ويستكين معه ، ( مطيعا فهو خليق ) أي لائق ( بأن يعطب ) أي يهلك ( فضلا من أن ينال ما طلب ، وإنما خرق الفارس مثال لجهل الإنسان وقلة حكمته وكلال بصيرته ) عن إدراك الأمور ( وجماح الفرس مثال لغلبة الشهوة خصوصا شهوة البطن والفرج ، وعقر الكلب مثال لغلبة الغضب واستيلائه ) فهذه الأمثلة الثلاثة وقد وجدت لذلك مثالا رابعا ذكره الراغب في الذريعة . قال : مثل النفس في البدن مثل المجاهد بعث إلى ثغر لكي يرعى أحواله وعقله خليفة مولاه ضم إليه ليسدده ويرشده ويشهد له وعليه فيما يفعله إذا عاد إلى حضرة الملك وبدنه بمنزلة فرس دفع إليه ليركبه وشهوته كسائس حثيث ضم إليه ليفتقد فرسه ، ولا قدر لهذا السائس عند المولى ، والقرآن بمنزلة كتاب أتاه من مولاه وقد ضمن كل ما يحتاج إليه عاجلا وآجلا ، فيقبح أن ينسى هذا الوالي مولاه ويهمل خليفته فلا يراجعه فيما يبرمه وما ينقضه ويصرف همه كله إلى تفقد فرسه وسياسته ويقيم سائس فرسه مقام خليفة ربه ، فالحاصل إن للإنسان مع هواه ثلاثة أحوال . الأولى : أن يغلبه الهوى فيهلكه وهذا حال أكثر الناس . الثانية : أن يغالبه فيقهرها تارة وتقهره أخرى وهكذا حال المتوسطين . الثالثة : أن يغلب هواه وهذا حال الأنبياء وكثير من صفوة الأولياء .

بيان خاصية قلب الإنسان :

( أعلم أن جملة ما ذكرناه قد أنعم اللّه به على سائر الحيوانات سوى الآدمي إذ للحيوانات