تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
لها وقواه المدركة من الحواس الظاهرة والباطنة كجنوده وأعوانه وأعضاؤه كرعيته ، والنفس الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدوّ ينازعه في مملكته ويسعى في إهلاك رعيته ، فصار بدنه كرباط وثغر ، ونفسه كمقيم فيه مرابط فإن هو جاهد عدوّه وهزمه وقهره على ما يحب حمد أثره إذا عاد إلى الحضرة كما قال تعالى :
وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً
[ النساء : 95 ] وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته ذم أثره فانتقم منه عند اللّه تعالى فيقال له يوم القيامة : يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم تأو الضالة ولم تجبر الكسير اليوم انتقم منك كما ورد في الخبر . وإلى هذه المجاهدة الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » .
شرح
الظاهرة والباطنة ) من الفكرة والخيال والحواس ( كجنوده وأعوانه وأعضاؤه كرعيته ) وخدمه ( والنفس الأمارة بالسوء التي هي الشهوة والغضب كعدو ) له ( ينازعه في مملكته ) ويعارضه ( ويسعى في إهلاك رعيته فصار بدنه كرباط وثغر ) تجاه العدو ( ونفسه كمقيم فيه مرابط ، فإن جاهد عدوه فهزمه ) فأسره ( وقهره على ما يجب ) وكما يجب ( حمد أثره إذا عاد إلى الحضرة ) أي دار مملكته ، ( كما قال تعالى :فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ) وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى[ النساء : 95 ] فدفاع الهوى أعظم ثواب وجهاد كما ورد في الخبر وقد سئل أي الجهاد أفضل ؟ فقال : « جهادك هواك » ( وإن ضيع ثغره وأهمل رعيته ذم أثره ) إذا عاد إليه كما ورد في الخبر : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » . ( وانتقم منه عند لقاء اللّه تعالى فيقال له يوم القيامة : يا راعي السوء أكلت اللحم وشربت اللبن ولم ترد الضالة ولم تجبر الكسير اليوم انتقم منك كما ورد في الخبر ) قال العراقي : لم أجد له أصلا اه . قلت : ولفظ الراغب في الذريعة إن اللّه تعالى يقول للكافر يوم القيامة : يا راعي السوء الخ . وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية في ترجمة مالك بن دينار فقال : حدثنا أبو محمد بن حيان ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن شبيب ، حدثنا سليمان بن أيوب ، حدثنا جعفر بن سليمان قال : سمعت مالك بن دينار يقول : قرأت في بعض الكتب يجاء براعي السوء يوم القيامة فيقال : يا راعي شربت اللبن وأكلت اللحم ولم ترد الضالة ولم تجبر الكسير ولم ترعها حق رعايتها اليوم ننتقم لهم منك . ( وإلى هذه المجاهدة الإشارة بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » ) قال العراقي : رواه البيهقي من حديث جابر وقال : هذا إسناد فيه ضعف اه . قلت : وسيأتي قريبا للمصنف في الكتاب الذي بعده بلفظ : « مرحبا بكم رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر » .
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 397 | مرتضى الزبيدي