العدل بسببه . فكذا النفس متى استعانت بالعقل وأدبت حمية الغضب وسلطتها على الشهوة واستعانت بإحداهما على الأخرى تارة بأن تقلل مرتبة الغضب وغلوائه بمحالفة الشهوة واستدراجها ، وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواها وحسنت أخلاقها ، ومن عدل عن هذه الطريقة كان كمن قال اللّه تعالى فيه
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ
[ الجاثية : 23 ] ، وقال تعالى :
وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
[ الأعراف : 176 ] وقال عز وجل فيمن نهى النفس عن الهوى
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
[ النازعات : 40 ، 41 ] وسيأتي كيفية مجاهدة هذه الجنود وتسليط بعضها على بعض في كتاب رياضة النفس إن شاء اللّه تعالى .
المثال الثاني : اعلم أن البدن كالمدينة والعقل . أعني المدرك من الإنسان كملك مدبر
شرح
وانتظم العبد بسببه فكذلك النفس ) أيضا ( متى استعانت بالعقل ) وائتمرت بأوامره ( وأدبت الحمية الغضبية وسلطتها على الشهوة واستعانت بإحداهما على الأخرى تارة بأن يقلل مرتبة الغضب وغلوائه ) أي حدته ( بمخالفة الشهوة واستدراجها ، وتارة بقمع الشهوة وقهرها بتسليط الغضب والحمية عليها وتقبيح مقتضياتها اعتدلت قواه وحسنت أخلاقه ، ومن عدل عن هذه الطريقة ) فسد أمره وانخرم نظامه ، و ( كان كمن قال اللّه تعالى فيه ) محذرا غاية الحذر في ذم من اتبع الهوى( أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍوقال تعالى )أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ ( وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ) وقال تعالى :وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ[ ص : 26 ] ( وقال لمن نهى النفس عن الهوى ) وخالفها مادحا له :وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى) قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك » كما تقدم للمصنف قريبا إشارة إلى الهوى والعقل ، وإن كان أشرف القوى وبه صار الإنسان خليفة اللّه تعالى في العالم ، فليس دأبه إلا الإشارة إلى الصواب كطبيب يشير إلى المريض بما يرى فيه برءه ، فإن قبل منه المريض وإلّا سكت عنه ، ولذلك جعل له الحمية لتكون نائبة عنه في المدافعة والممانعة ، ولهذا لا تتبين فضيلة العقل لمن لا حمية له وبهذا النظر قيل المهين من لا سفيه له ، وقال الشاعر :تعدو الذئاب على من لا كلاب له * وتتقي مربض المستأسد الحامي( وسيأتي ) بيان ( كيفية مجاهدة هذه الجنود وتسليط بعضها على بعض في كتاب رياضة النفس ) قريبا إن شاء اللّه تعالى .
( المثال الثاني : أن ) الإنسان من حيث ما جعله اللّه عالما صغيرا وجعل ( البدن كالمدينة ) في هيئته ( والعقل : أعني المدرك من الإنسان كملك ) فيها ( مدبر لها وقواه المدركة من الحواس