تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 395

مساهمون:

ص٣٩٥
فيما يفتقر العقل إليه ، ونحن نقرب ذلك إلى فهمك بثلاثة أمثلة . المثال الأوّل : أن نقول مثل نفس الإنسان في بدنه أعني بالنفس اللطيفة المذكورة كمثل ملك في مدينته ومملكته فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها وجوارحها وقواها بمنزلة الصناع والعملة والقوّة العقلية المفكرة له كالمشير الناصح والوزير العاقل . والشهوة له كالعبد السوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة ، والغضب والحمية له كصاحب الشرطة ، والعبد الجالب للميرة كذاب مكار خداع خبيث يتمثل بصورة الناصح وتحت نصحه الشر الهائل والسم القاتل وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح في آرائه وتدبيراته ، حتى أنه لا يخلو من منازعته ومعارضته ساعة كما أن الوالي في مملكته إذا كان مستغنيا في تدبيراته بوزيره ومستشيرا له ومعرضا عن إشارة هذا العبد الخبيث مستدلا بإشارته في أن الصواب في نقيض رأيه وأدب صاحب شرطته وساسه لوزيره وجعله مؤتمرا له مسلطا من جهته على هذا العبد الخبيث وأتباعه وأنصاره حتى يكون العبد مسوسا لا سائسا ، ومأمورا مدبرا لا أميرا مدبرا ، استقام أمر بلده وانتظم
شرح
يفتقر العقل إليه ، ونحن نقرب هذا إلى قلبك بثلاثة أمثال ) وما لها في منازعة الهوى للعقل . ( المثال أول : أن نقول مثل نفس الإنسان في بدنه ، واعني بالنفس المعنى الثاني ) أي ( اللطيفة المذكورة كمثل وال في مدينته ومملكته ) أي موضع ملكه وحكمه ما سوى مدينته ، ( فإن البدن مملكة النفس وعالمها ومستقرها ومدينتها ) لها فيه الحكم النافذ ( وقواه ) الباطنة ( وجوارحه ) الظاهرة ( بمنزلة الصناع والعملة ) المستخدمة ( والقوة العقلية المفكرة له كالمشير ) العالم الناصح ( والوزير ) الفطن ( العقل والشهوة له ) وفيه ( كعبد سوء يجلب الطعام والميرة إلى المدينة ) والميرة بالكسر اسم للطعام وغيره وقد مارهم ميرا أتاهم بالميرة ، ( والغضب والحمية له كصاحب الشرطة ) وهو عون الوالي . ( والعبد الجالب للميرة كذاب مكار ) كثير الكذب والمكر ( مخادع خبيث ) صاحب حيل وخبث طبع وخداع ( يتمثل ) للوالي ( بصورة الناصح ) في الظاهر ( وتحت نصحه الشر الهائل ) أي العظيم المخوف ، ( والسم القاتل وديدنه وعادته منازعة الوزير الناصح ) ومعارضته ( في كل تدبير يدبره ) لا يغفل عنه ( حتى لا يخلو من منازعته ومعارضته في آرائه ساعة ، فكما أن الوالي في مملكته متى استشار في تدبيراته بوزيره ) الناصح له حالة كونه ( معرضا عن إشارة هذا العبد الخبيث ) المكار ( بل مستدلا بإشارته على أن الصواب في نقيض رأيه ) ومخالفته فيما يقول ، ( وأدب صاحب شرطته وأسلسه ) أي جعله سلسا منقادا ( لوزيره وجعله مؤتمرا له ومسلطا من جهته على هذا العبد الخبيث ) أي سلطة عليه ( و ) على ( اتباعه وأنصاره حتى يكون ) هذا ( العبد مسوسا ) أي داخلا تحت السياسة ( لا سائسا ومأمورا مدبرا لا آمرا مدبرا استقام أمر بلده ،
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 395 | مرتضى الزبيدي