تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 394

مساهمون:

ص٣٩٤
بيان أمثلة القلب مع جنوده الباطنة : اعلم أن جندي الغضب والشهوة قد ينقادان للقلب انقيادا تاما فيعينه ذلك على طريقه الذي يسلكه وتحسن مرافقتهما في السفر الذي هو بصدده وقد يستعصيان عليه استعصاء بغي وتمرد حتى يملكاه ويستعبداه وفيه هلاكه وانقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد ، وللقلب جند آخر وهو العلم والحكمة والتفكر كما سيأتي شرحه ، وحقه أن يستعين بهذا الجند فإنه حزب اللّه تعالى على الجندين الآخرين ، فإنهما قد يلتحقان بحزب الشيطان ، فإن ترك الاستعانة وسلط على نفسه جند الغضب والشهوة هلك يقينا وخسر خسرانا مبينا ، وذلك حالة أكثر الخلق فإن عقولهم صارت مسخرة لشهواتهم في استنباط الحيل لقضاء الشهوة . وكان ينبغي أن تكون الشهوة مسخرة لعقولهم
شرح

بيان أمثلة القلب مع جنوده الباطنة :

( اعلم أن جندي الغضب والشهوة قد ينقادان للقلب انقيادا تاما فيعينه ذلك ) الانقياد ( منهما على طريقه الذي يسلكه وتحسن مرافقته في السفر الذي هو بصدده ، وقد يستعصيان عليه استعصاء بغي وتمرد ) فيغلبان عليه ( حتى يملكانه ويستعبدانه ) بجذبهما له إلى موافقته لما يصدر منهما ، ( وفيه هلاكه ) الأبدي ( وانقطاعه عن سفره الذي به وصوله إلى سعادة الأبد ) وهي أربعة أشياء : بقاء بلا فناء ، وقدرة بلا عجز ، وعلم بلا جهل ، وغنى بلا فقر ، وأصعب هذين الجندين جند الشهوة وقمعها أصعب لأنها أقدم القوى وجودا في الإنسان وأشدها به تشبثا وأكثرها منه تمكنا فإنها تولد معه وتوجد فيه ، فإن لم يغلبها غلبته وضرته وصرفته عن طريق الآخرة كما أشار إليه المصنف . فإن قيل : فإذا كانت الشهوة بهذه المثابة في الإضرار فأي حكمة اقتضت أن يبلى بها ؟ قلت : الشهوة إنما تكون مذمومة إذا كانت مفرطة وأهملها صاحبها حتى ملكت القوى فأما إذا أدبت فهي المبلغة إلى السعادة حتى لو تصورت مرتفعة لم يمكن الوصول إلى الآخرة ، وذلك لأن العبادة التي هي سبب الوصلة إلى الآخرة لا تتم إلا بحفظ البدن ولا سبيل إلى حفظه إلا بتناول الأغذية ، ولا يمكن ذلك إلا بالشهوة فإذا الشهوة محتاج إليها ومرغوب فيها فتأمل . ( وللقلب جند آخر وهو العلم والحكمة والتفكر كما سيأتي شرحه ، وحقه ) أي السالك ( أن يستعين بهذا الجند فإنه حزب اللّه على الجندين الآخرين ) المذكورين ، ( فإنهما يلتحقان بحزب الشيطان ، فإن ترك الاستعانة ) بحزب اللّه ( وسلط على نفسه جند الغضب والشهوة هلك يقينا وخسر خسرانا مبينا ، وذلك حال أكثر الخلق ) في كل زمان ( فإن عقولهم صارت مسخرة ) أي مذللة تابعة ( لشهواتهم في استنباط الحيل ) والخداع ( لقضاء الشهوة ) حتى يعطي لنفسه مناها منها . ( وكان ينبغي أن تكون الشهوة مسخرة لعقولهم ) تابعة لها ( فيما