سميت النفس اللوّامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاه . قال اللّه تعالى :
وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
[ القيامة : 2 ] وإن تركت الاعتراض وأذعنت وأطاعت لمقتضى الشهوات ودواعي الشيطان سميت النفس الأمارة بالسوء . قال اللّه تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام أو امرأة العزيز
وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
[ يوسف :
53 ] وقد يجوز أن يقال المراد بالأمارة بالسوء هي النفس بالمعنى الأول فإذا النفس بالمعنى
شرح
تحت الأمر ( ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها سميت النفس اللوّامة لأنها تلوم صاحبها عند تقصيره في عبادة مولاها ) فهي تنوّرت بنور القلب قدر ما تنبهت من سنة الغفلة كلما صدرت منها سيئة يحكم جباتها الظلمانية نفتها بلوم وتتوب عنها ، لا يزال شأنها الملل في كل علم وعمل كلما حصلت على مطلوب نشأ لها حظ وأمل ، فهي أبدا في شكاية ووجل وكآبة أنشأتها الرغبة في الفائت والضجر مما حصل . ( قال تعالى ) :لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِوصاحب هذه إن وقف بالذل والخضوع على باب مولاه فتح له وآواه وأحضره حضرة مناجاته أو منحه رؤياه وأجلسه على موائد مدده وهداه وأورده مشاهد رضاه في تقواه ، ( وإن تركت الاعتراض وأذعنت ) ومالت إلى الطبيعة البدنية ( وأطاعت لمقتضى الشهوات ) الحسية ( ودواعي الشيطان ) وجذبت القلب إلى الجهة السفلية ( سميت النفس الأمارة بالسوء ) لانفعالها بالخواطر المارة هي سقط رأس القرينين ، ومجمع لجيوش الوصل والبين أن تغلب عليها القرين الجاني وهو القوى الشهواني غرس فيها من رذائل الاخلاق أشجار الزقوم وأجرى منها من نقائص الأعمال بحار اليحموم ، وألبسها من المجانسة الخلقية تارة جلد كلب ، وتارة جلد حمار ، وبنى قصر تقصيرها على شفا جرف هار وإن تبوأها القرين الروحاني وهو نور البيان الإنساني أرغد غداء قلبها من طيب ثمر المعاني ، وروق شراب أعضائها من العمل الرضواني ، وألبسها من تسبيح الفضائل الخلقية حللا سندسية واستبرقية وجعلها حرما آمنا لمن فزع من جهله وذنوبه تجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدن علام غيوبه أشجار كلمة طيبة لا تخبط ولا تقطع ، وطائر وارادته لا ينفر ولا يروع .
( قال تعالىوَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّيوصاحب هذه إن حم سلك في منهاج الحذر من غوائلها وتدرع باليقظة من سهام دسائسها عن أن تقع في مقاتلها كلما أحس رأى أنه مقصر ، فكيف به إذا وجب عليه أن يستغفر . هكذا ذكر اللّه تعالى النفس في كلامه القديم بثلاثة أوصاف وهي نفس واحدة ولها صفات متغايرة ، فالسكينة مزيد الإيمان وبها تحصل الطمأنينة ويرتقي القلب إلى مقام الروح وتتوجه النفس إلى مقام القلب وفي ذلك طمأنينتها فهي إذا المطمئنة ، وإذا انزعجت عن مقار جبلاتها متطلعة إلى مقار الطمأنينة فهي اللوّامة ، فإذا قامت في محلها لا يغشاها نور المعرفة والعلم فهي الامّارة بالسوء فالنفس والروح يتطاردان فتارة تملك القلب دواعي الروح وتارة تملكه دواعي النفس . ( وقد يجوز أن يقال : المراد بالأمارة