تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
الإنسان وذاته . ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسب اختلاف أحوالها . فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسبب معارضة الشهوات سميت النفس المطمئنة : قال اللّه تعالى في مثلها :
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً
[ الفجر : 27 ، 28 ] والنفس بالمعنى الأوّل لا يتصوّر رجوعها إلى اللّه تعالى فإنها مبعدة عن اللّه وهي من حزب الشيطان ، وإذا لم يتم سكونها ولكنها صارت مدافعة للنفس الشهوانية ومعترضة عليها
شرح
ووافقتهم في ذلك جماعة من أرباب المكاشفة ، ثم ذكر لصحة مذهبهم دلائل وبراهين لم أطوّل بذكرها . وقال الفخر الرازي في التفسير الكبير : إنهم قالوا لا يجوز أن يكون الإنسان عبارة عن هذا الهيكل المحسوس لأن أجزاءه أبدا في المحو والذبول والزيادة والنقصان والاستكمال والذوبان ، ولا شك أن الإنسان من حيث هو هو أمر باق من أول عمره إلى آخره وغير الباقي ، فالمشار إليه عند كل أحد بقوله : أنا وجب أن يكون مغايرا لهذا الهكيل ، ثم أطال الكلام في ذكر ما يشير إليه كل أحد بقوله « أنا » واختلاف الأقوال فيه بما لم نطول بذكره . ثم قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ( ولكنها توصف بأوصاف مختلفة بحسن اختلاف أحوالها فإذا سكنت تحت الأمر وزايلها الاضطراب بسببه معارضة الشهوات سميت ) هذه ( النفس المطمئنة ) ومنهم من قال في وصفها : إنما هي تنورت بنور القلوب حتى إذا انخلعت عن صفاتها الذميمة وتخلقت بالأخلاق الحميدة ورفعت حجب الكثائف الخلقية حتى شهدت اللطائف الخفية وعرفت سريان أسرار الربوبية في مظاهر أطوار العبودية فرجعت في كل حال إلى اللّه وتلقت كل واقعة من اللّه ، ورأت آيات الأنفس والآفاق من اللّه ، فهي راضية في كل مشهد باللّه مرضية في كل حضرة للّه . ( قال اللّه تعالىيا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً) وصاحب هذه هو عارف الوقت المحفوظ بالمحو من السلب وبالقبول من المقت قد أخمد ببرد الرضا حرارة الانتقام وبلوعة الشوق نقاقر المهانة والأحجام ، وبمحض التسليم أمن من قواطع القرب وبسلامة الذوق فارق الملل من الشرب ، ( والنفس بالمعنى الأوّل ) الذي هو الجامع لقوّة الغضب والشهوة من الإنسان تسمى المستكبرة ، وهي أصعب النفوس المتلوّنة قيادا وأبعدها حضورا وأعظمها عنادا وأشدها نفورا تصول صولة أهل الدولة والرياش وتتهافت على الرذائل تهافت الفراش ، وتقول بلسان الدعاوي : أنا الشمس والقمر فإذا بدا ما فيها من المساويء عسعس الغيهب واعتكر . ( لا يتصوّر رجوعها إلى اللّه فإنها مبعدة من ) حضرة ( اللّه وهي من حزب الشيطان ) إلا أن صاحبها إذا لوحظ بعين الإمداد وجذبته العناية بأزمة السداد أهزل من أنفتها ما كان سمينا وحقر من افتخارها ما كان ثمينا وأفردها من الرياضة في جبل صعب المسالك بعيد الذرى والمدارك ليس لعشاق الرئاسة له من سبيل ولا للهمم الدنية عليه تعويل ، ( وإذا لم يتم سكونها )
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 376 | مرتضى الزبيدي