شرح
وروى سعيد بن المسيب عن سلمان قال : أرواح المؤمنين تذهب في برزخ من الأرض حيث شاءت بين السماء والأرض حتى يردها اللّه إلى أجسادها ، وقيل : إذا ورد على الأرواح ميت من الأحياء التقوا وتحدثوا وتساءلوا وكل اللّه بها ملائكة تعرض عليها أعمال الأحياء ، حتى إذا عرض على الأموات ما يعاقب به الأحياء في الدنيا من الذنوب كان عذر اللّه ظاهرا عند الأموات ، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من اللّه تعالى .
وقد ورد مرفوعا تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على اللّه عز وجل وتعرض على الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة فيفرحون بحسناتهم وتزداد وجوههم بياضا وإشراقات فاتقوا اللّه ولا تؤذوا موتاكم » .
وفي خبر آخر « إن أعمالكم تعرض على عشائركم وأقاربكم من الموتى فإن كان حسنا استبشروا وإن كان غير ذلك قالوا اللهم لا تمتهم جئت تهديهم كما هديتنا » . وهذه الأخبار والأقوال تدل على أنها أعيان في الجسد وليست بمعان واعراض . وقال بعضهم : الروح خلق من نور العزة وإبليس خلق من نار العزة ، ولهذا قالخَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ[ الأعراف : 12 ] ولم يدر أن النور خير من النار . وقال بعضهم : قرن اللّه العلم بالروح فهي للطافتها تنمو بالعلم كما ينمو البدن بالغذاء ، وهذا في علم اللّه لأن علم الخلق قليل لا يبلغ ذلك ، والمختار عند أكثر متكلمي الإسلام أن الإنسانية والحيوانية عرضان خلقا في الإنسان والموت يهدمهما وأن الروح هي الحياة بعينها صار البدن بوجودها حيا وبالإعادة إليه في القيامة يصير حيا . وذهب بعضهم إلى أنه جسم لطيف اشتبك بالأجسام الكثيفة اشتباك الماء بالعود الأخضر وهو اختيار أبي المعالي الجويني وكثير منهم مال إلى أنه عرض إلا أنه ردهم عن ذلك الأخبار الدالة على أنه جسم لما ورد فيه من العروج والهبوط والتردد في البرزخ فحيث وصف بأوصاف دل على أنه جسم لأن العرض لا يوصف بأوصاف إذ الوصف معنى ، والمعنى لا يقوم بالمعنى ، وأصر بعضهم على أنه عرض .
سئل ابن عباس قيل له : أين تذهب الأرواح عند مفارقة الأبدان ؟ فقال : أين يذهب ضوء المصباح عند فناء الادهان ؟ قيل له : فأين تذهب الأجسام إذا بليت ؟ قال : أين يذهب لحمها إذا مرضت ؟ وقال بعض من يتهم بالعلوم المردودة المفهومة المذمومة وينسب إلى الإسلام : الروح تنفصل عن البدن في جسم لطيف ، وقال بعضهم : إنها إذا فارقت البدن تحل معها القوّة الوهمية بتوسط النطقية ، فتكون حينئذ مطالعة للمعاني المحسوسات لأن تجرده من هيئات البدن عند المفارقة غير ممكن ، وهي عند الموت شاعرة بالموت وبعد الموت متخيلة نفسها مقبورة وتتصوّر جميع ما كانت تعتقده حال الحياة وتحس بالثواب والعقاب في القبر . وقال بعضهم : أسلم المقالات أن يقال الروح شيء مخلوق أجرى اللّه تعالى العادة أن يحيي البدن ما دام متصلا بها وأنه أشرف من الجسد يذوق الموت بمفارقة الجسد كما أن الجسد بمفارقته يذوق الموت ، فإن الكيفية والماهية يتعاشى العقل فيهما كما يتعاشى البصر في شعاع الشمس ، ولما رأى المتكلمون أنه يقال لهم الموجودات محصورة قديم وجسم وجوهر وعرض ، فالروح أيهم من هؤلاء ؟ فاختار قوم منهم أنه جسم لطيف كما ذكرنا ،