شرح
ابن عطاء : خلق اللّه الأرواح قبل الأجساد لقوله تعالى :وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ[ الأعراف : 11 ] يعني الأرواح ثم صوّرناكم يعني الأجساد . وقال بعضهم : الروح لطيف قائم في كثيف كالبصر جوهر لطيف قائم في كثيف ، وفي هذا القول نظر . وقال بعضهم : الروح عبارة والقائم بالأشياء هو الحق وهذا فيه نظر أيضا إلّا أن يحمل على معنى الاحياء ، فقد قال بعضهم : الأحياء صفة المحيي كالتخليق صفة الخالق وقال :قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي[ الإسراء : 85 ] وأمره كلامه وكلامه ليس بمخلوق أي صار الحي حيا بقوله : كن حيا ، وعلى هذا لا يكون الروح معنى في الجسد ، فمن الأقوال ما يدل على أن قائله يعتقد قدم الروح ومن الأقوال ما يدل على أن قائله يعتقد حدوثه ، ثم إن الناس مختلفون في الروح الذي سئل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عنه فقال قوم ، هو جبريل ، ونقل عن علي رضي اللّه عنه أنه قال : هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه ، ولكل وجه منه سبعون ألف لسان ، ولكل لسان سبعون ألف لغة يسبح اللّه بتلك اللغات كلها ويخلق من كل تسبيحة ملك يطير مع الملائكة . وروي عن ابن عباس أن الروح خلق من خلق اللّه تعالى صوّرهم اللّه على صورة بني آدم ، وما نزل من السماء ملك إلا ومعه أحد من الروح . وقال أبو صالح : الروح كهيئة الانسان وليسوا بناس ، وقال مجاهد : الروح على صورة بني آدم لهم أيد وأرجل ورؤوس يأكلون الطعام وليسوا بملائكة ، وقال سعيد بن جبير : لم يخلق اللّه خلقا أعظم من الروح غير العرش ، ولو شاء أن يبتلع السماوات والأرضين السبع في لقمة لفعل صورة خلقه على صورة الملائكة وصورة وجهه على صورة الآدميين ، يقوم يوم القيامة عن يمين العرش والملائكة معه في صف واحد ، وهو ممن يشفع لأهل التوحيد ، ولولا ان بينه وبين الملائكة سترا من نور احترق أهل السماوات من نوره ، فهذه الأقاويل لا تكون إلا نقلا وسماعا بلغهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك ، وإذا كان الروح المسؤول عنه شيئا من ذلك فهو غير الروح الذي في الجسد فعلى هذا يسوغ القول في هذا الروح ، ولا يكون الكلام فيه ممنوعا . وقال بعضهم : الروح لطيفة من اللّه تسري إلى أماكن معروفة لا يعبر عنه بأكثر من موجود بإيجاد غيره وقال بعضهم الروح لم يخرج من « كن » لأنه لو خرج من « كن » كان عليه الذل قيل :
فمن أي شيء خرج ؟ قال : من بين جلاله وجماله سبحانه وتعالى بملاحظة الإشارة خصها بسلامه وحياها بكلامه ، فهي معتقة من ذل « كن » . وسئل أبو سعيد الخراز عن الروح أمخلوقة هي ؟ قال : نعم ولولا ذلك ما أقرت بالربوبية حيث قالوا : بلى . والروح هي التي قام بها البدن واستحق اسم الحياة بالروح ثبت العقل بالروح الحجة ، ولو لم تكن الروح كان العقل معطلا لا حجة عليه ولا له ، وقيل : إنها جوهر مخلوق ولكنها ألطف المخلوقات وأصفى الجواهر وأبهرها ، وبها ترى المغيبات وبها يكون الكشف لأصل الحقائق ، وإذا حجبت الروح عن مراعاة السر أساءت الجوارح الأدب ، ولذلك صارت الروح بين تجل واستتار وقابض ونازع ، وقيل : الدنيا والآخرة عند الأرواح سواء ، وقيل : الروح تجول في البرزخ وتبصر أحوال الدنيا والملائكة تتحدث في السماء من أحوال الآدميين ، وأرواح تحت العرش وأرواح طيارة إلى الجنان ، وإلى حيث شاءت على أقدارهم من السعي إلى اللّه أيام الحياة .