تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
المعنى الثاني : هو اللطيفة العالمة المدركة من الإنسان وهو الذي شرحناه في أحد معاني القلب وهو الذي أراده اللّه تعالى بقوله :
قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
[ الإسراء : 85 ] وهو أمر عجيب رباني تعجز أكثر العقول والأفهام عن درك حقيقته .
شرح
( المعنى الثاني : هو اللطيفة ) الربانية ( العالمة المدركة من الإنسان وهو الذي شرحناه في أحد معنيي القلب ) اعلم أنه قد يجعل اسما للنفس لكون النفس بعض الروح فهو كتسمية النوع باسم الجنس نحو تسمية الانسان بالحيوان ، وقد يجعل اسما لهذه اللطيفة وهي الجزء الذي تحصل به الحياة والتحرك واستجلاب المنافع واستدفاع المضار ، ( وهو الذي أراده اللّه تعالى بقوله :وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّيوهذه اللطيفة هي الراكبة على الروح الحيواني نازل من عالم الأمر ، ( وهو أمر عجيب رباني يعجز أكثر العقول والأفهام عن درك كنه حقيقته ) قد تكون مجردة وقد تكون منطبعة في البدن ، وقال صاحب العوارف : وحيث أمسك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الإخبار عن الروح وماهيته بإذن اللّه تعالى ووحيه وهو صلّى اللّه عليه وسلّم معدن العلم وينبوع الحكمة كيف يسوغ لغيره الخوض فيه ؟ والإشارة إليه لا جرم لما تقاضت النفس الإنسانية المطلعة إلى الفضول المتشوفة إلى المعقول المتحركة بوضعها إلى كل ما أمر فيه بالسكوت فيه والمتشوفة بحرصها إلى كل تحقيق وكل تمويه وأطلقت عنان النظر في مسارح الفكر وخاضت غمرات ماهية الروح تاهت في التيه وتنوّعت آراؤها فيه ، ولم يوجد الاختلاف من أرباب النقل والعقل في شيء كالاختلاف في ماهية الروح ، ولو لزمت النفوس حدّها معترفة بعجزها كان ذلك أجدر بها وأولى ، فأما أقاويل من ليس مستمسكا بالشرائع فننزه الكتاب عن ذكرها لأنها أقوال أبرزتها العقول التي ضلت عن الرشاد وطبعت على الفساد ولم يصبها نور الاهتداء ببركة متابعة الأنبياء فهم كما قال اللّه تعالى فيهم :كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً[ الكهف : 101 ]قالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ[ فصلت : 5 ] فلما حجبوا عن الأنبياء لم يسمعوا وحيث لم يسمعوا لم يهتدوا فأصروا على الجهالات وحجبوا بالعقول عن المأمول والعقل حجة اللّه تعالى يهدي قوما ويضل به آخرين ، فلم ننقل أقوالهم في الروح واختلافهم فيه ، وإنما المتمسكون بالشرائع تكلموا في الروح ، فقوم منهم بطريق الاستدلال والنظر ، وقوم منهم بلسان الذوق والوجد لا باستعمال الفكر حتى تكلم في ذلك مشايخ الصوفية أيضا . وكان الأولى الإمساك عن ذلك والتأدب بأدب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد قال الجنيد : الروح شيء استأثر اللّه بعلمه ولا تجوز العبارة عنه بأكثر من موجود ، ولكن نجعل للصادقين لأقوالهم محملا ، ويجوز أن يكون كلامهم في ذلك بمثابة التأويل لكلام اللّه تعالى والآيات المنزلة حيث حرم تفسيره وجوز تأويله إذ لا يسع القول في التفسير إلا نقلا ، وأما التأويل فتمتد العقول إليه بالباع الطويل وهو ذكر ما تحتمل الآية من المعنى من غير القطع بذلك ، وإذا كان الأمر كذلك فللقول فيه وجه ومحمل . قال أبو عبد الباجي : الروح جسم يلطف عن الحس ويكبر عن اللمس ولا يعبر عنه بأكثر من موجود ، وهو وإن منع عن العبارة فقد حكم بأنه جسم . وقال