وينخفض إلى أفق الشياطين ، وكيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين ويرتقي إلى عالم الملائكة المقربين ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويترصد لما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه فهو ممن قال اللّه تعالى فيه :
نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
[ الحشر : 19 ] فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين وأساس طريق السالكين .
وإذ فرغنا من الشطر الأول من هذا الكتاب من النظر فيما يجري على الجوارح من العبادات والعادات وهو العلم الظاهر ، ووعدنا أن نشرح في الشطر الثاني ما يجري على القلب من الصفات المهلكات والمنجيات وهو العلم الباطن ، فلا بدّ أن نقدم عليه كتابين :
كتابا في شرح عجائب صفات القلب وأخلاقه ، وكتابا في كيفية رياضة القلب وتهذيب أخلاقه ، ثم نندفع بعد ذلك في تفصيل المهلكات والمنجيات .
فلنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الأفهام ،
شرح
أبي عبيدة بن الجراح ، ( وأنه كيف يهوي مرة إلى أسفل السافلين وينخفض إلى أفق الشياطين ، وكيف يرتفع ) مرة ( أخرى إلى أعلى عليين ويرتقي إلى عالم الملائكة المقرّبين ) وانخفاضه وارتفاعه إنما هو بالاتصاف بما لكل من الدرجتين من الأوصاف الذميمة والحميدة ، فإذا استولى عليه الشهوة والغضب التحق بأفق الشياطين وإن ملكهما حتى صفا التحق بأفق الملائكة المقرّبين ، ( ومن لم يعرف قلبه ليراقبه ويراعيه ويترصد ما يلوح من خزائن الملكوت عليه وفيه فهو ممن قال اللّه تعالى فيه ) أي في حقه :نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْولما كانت تلك المراقبة عين الفكر جعل تركها نسيانا فهذا معنى قولهنَسُوا اللَّهَوأما نسيان اللّه لهم فهو ترك نظر الرحمة عليهم وأشد من ذلك قوله تعالى :نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَسماهم فساقا إذا نسوا اللّه بعدم مراقبتهم قلوبهم ، ( فمعرفة القلب وحقيقة أوصافه أصل الدين وأساس طريق السالكين ) إلى محجة الطريق وهذا طريقة سلوك شيخه أبي علي الروذباري أحد أصول طريقة مشايخنا النقشبندية ، فإن المراقبة عندهم مع نفي الخواطر أحد الأصول الثلاثة التي عليها مدار سلوكهم ، ( وإذ قد فرغنا من الشطر الأوّل ) أي النصف الأوّل ( من هذا الكتاب عن النظر فيما يجري على الجوارح ) للسالك ( من العبادات والعادات وهو العلم الظاهر ) لتعلقه بعالم الملك ، ( ووعدنا أن نشرح في الشطر الثاني ما يجري على القلوب من الصفات المهلكات والمنجيات وهو العلم الباطن ) لتعلقه بعالم الملكوت ، ( فلا بد أن نقدّم عليه كتابين : كتابا في شرح صفات القلب وأخلاقه ، وكتابا في كيفية رياضة القلب وتهذيب أخلاقه ، ثم نندفع بعد ذلك في تفصيل المهلكات والمنجيات ) كل منهما في ربع . ( فنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الافهام ) بسهولة ، ( فإن التصريح