تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد للّه الذي تتحير دون إدراك جلاله القلوب والخواطر ، وتدهش في مبادئ إشراق أنواره الأحداق والنواظر ، المطلع على خفيات السرائر ، العالم بمكنونات الضمائر ، المستغني في تدبير مملكته عن المشاور والموازر ، مقلب القلوب وغفار الذنوب ، وساتر العيوب ، ومفرج الكروب ، والصلاة على سيد المرسلين ، وجامع شمل الدين ، وقاطع
شرح
قال المصنف رحمه اللّه تعالى : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) تيمنا باسمه الكريم واقتداء بالكتاب العظيم . ( الحمد للّه الذي تتحير دون إدراك جلاله ) أي عظمته ( القلوب والخواطر ) جمع خاطر وهو من الصفات في الغالب اسم لما يتحرك في القلب من رأي أو معنى وقد يسمى محله باسم ذلك ، والادراك هو بلوغ أقصى غاية الشيء واحاطته بكماله ، والمعنى لا تطيق القلوب والخواطر الواردة عليها الإحاطة لعظم قدره وفخامة شأنه فتقف دونها وقوف المتحير الذي لا يهتدي للصواب لإشكال الامر عليه ، ( وتدهش ) وهو من باب علم وأصل الدهشة ذهاب العقل اما حياء أو خوفا ( في مبادئ ) أي أوائل ( إشراق ) أي إضاءة ( أنواره ) أي أنوار وارداته التي ترد على القلب ( الأحداق والنواظر ) الأحداق جمع حدقة محركة وهي من العين سوادها ، والنواظر : جمع الناظر وهو السواد الأصغر من العين الذي يبصر به الانسان ، أشار المصنف بهاتين الجملتين إلى أن نهاية معرفة العارفين باللّه تعالى عجزهم عن المعرفة ومعرفتهم بالحقيقة في أنهم لا يمكنهم معرفته ، وانه يستحيل أن يعرف اللّه المعرفة الحقيقية المحيطة بكنه صفات الربوبية إلا اللّه تعالى ، وأنه لا يحيط مخلوق من ملاحظة ذاته إلا بالحيرة والدهشة وقد خص الحيرة بالقلوب والدهش بالنواظر إشارة إلى أن كلّا من المسلكين بابهما مسدود على السالك بهما ، وإنما يكون الاتساع في معرفة أسمائه وصفاته . وقد تقدم البحث في ذلك عن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « لا أحصي ثناء عليك » ( المطّلع ) بتشديد الطاء وكسر اللام أي المشرف ( على خفيات الأسرار ) أي خواطر النفس ، ( العالم بمكنونات الضمائر ) أي ما تكنه وتخفيه ، ( المستغني ) لقيامه بنفسه ( في تدبير ملكه ) في عالمي الغيب والشهادة ( عن المشاور ) أي من يشاور معه ( والمؤازر ) من يعينه ويحمل عنه وزره أي ثقله ومؤنته لأنه تعالى واجب الوجود بنفسه لا تعلق له بغيره لا في ذاته ولا في صفاته بل هو منزه عن العلاقة عن الأغيار مستغن عن المشاورة والمعاضدة بالأنصار ، ( مقلب القلوب ) أي مصرفها كيف يشاء ( وغفّار الذنوب ) حقيرها وجليها ، ( وستار العيوب ) يستعمل العيب اسما ويجمع على العيوب وهو كل ما يعاب الإنسان على فعله ويلام ، ( ومفرج الكروب ) أي كاشفها وأصل الكرب الغم والضيق ، ( والصلاة ) الكاملة التامة ( على ) سيدنا ومولانا محمد ( سيد المرسلين ) أي رئيسهم وأفضلهم ، ( وجامع شمل الدين ) أي جامع ما تفرق من أمره لأنه بعث والناس في
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 364 | مرتضى الزبيدي