دوائر الملحدين ، وعلى آله الطيبين الطاهرين ، وسلم كثيرا .
أما بعد ؛ فشرف الإنسان وفضيلته التي فاق بها جملة من أصناف الخلق باستعداده لمعرفة اللّه سبحانه التي هي في الدنيا جماله وكماله وفخره وفي الآخرة عدّته وذخره ، وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه ، فالقلب هو العالم باللّه ، وهو المتقرب إلى اللّه وهو العامل للّه ، وهو الساعي إلى اللّه ، وهو المكاشف بما عند اللّه ، ولديه ، وإنما الجوارح أتباع وخدم وآلات يستخدمها القلب ويستعملها استعمال المالك للعبد واستخدام الراعي للرعية والصانع للآلة ، فالقلب هو المقبول عند اللّه إذا سلم من غير
شرح
جاهلية جهلا قد تناسوا أمور الدين ورغبوا إلى عبادة الكواكب والأصنام فهداهم بنور رسالته وأخذ بنواصيهم إلى دين الحق ، ( وقاطع دابر الملحدين ) أي الطاعنين في الدين والمجادلين أي المحاربين فيه من طوائف اليهود والنصارى والمشركين فلم يبق منهم أحد إلا وقد دخل في الدين والحق بزمرة الموحدين . قيل : والملحدون بعد زمانه صلّى اللّه عليه وسلّم هم الباطنية الذين أحالوا الشريعة وتأوّلوا بما يخالف العربية التي نزل بها القرآن وبين الجمع والقطع حسن المقابلة ، ( وعلى آله الطيبين الطاهرين ) وهم أهله وذوو قرابته ، ويطلق أيضا على الاتباع لطريقته فدخل فيهم أصحابه ، وذهب الكسائي إلى منع آل إلى الضمير فلا يقال آله بل أهله ، ونقله البطليوسي في كتابه الاقتضاب وهو أوّل من قال ذلك ، وتبعه النحاس والزبيدي وليس بصحيح إذ لا قياس يعضده ولا سماع يؤيده قاله صاحب المصباح ، وحكم إفراد الصلاة عن السلام تقدم البحث فيه في أوّل كتاب العلم .
( أما بعد : فشرف الإنسان وفضيلته التي فاق بها جملة من أصناف الخلق ) إنما هو ( باستعداده ) أي طلب تأهبه بالقوّة القريبة أو البعيدة ( لمعرفة اللّه سبحانه التي هي في الدنيا جماله ) أي زينته ( وكماله وفخره وفي الآخرة ) هي ( عدته ) أي يعتد بها ( وذخره ) وقد دندن العارفون باللّه حول هذه المعرفة ، فروي عن مالك بن دينار أنه قال : خرج أهل الدنيا من الدنيا ولم يذوقوا فيها أطيب شيء فيها . قالوا : وما هو يا أبا يحيى ؟ قال : معرفة اللّه عز وجل ، رواه أبو نعيم في الحلية من طريق سالم والخواص ، وقيل لذي النون المصري رحمه اللّه تعالى وقد أشرف على الموت : ما ذا تشتهي ؟ فقال : أن أعرفه قبل ان أموت ولو بلحظة . ( وإنما استعد للمعرفة بقلبه لا بجارحة من جوارحه فالقلب ) الذي هو لطيفة ربانية على ما سيأتي بيانه قريبا للمصنف ، ( هو العالم باللّه وهو العامل للّه وهو الساعي إلى اللّه وهو المتقرب إليه وهو المكاشف بما عند اللّه ولديه ، وإنما الجوارح ) الظاهرة في الحقيقة ( اتباع وخدم وآلات ) أي بمنزلة هؤلاء ( يستخدمها القلب ويستعملها استعمال الملك للعبيد ) فهم لا يخالفونه ( و ) يستخدمها ( استخدام الراعي للرعية و ) استخدام ( الصانع للآلة ، فالقلب هو المقبول عند اللّه ) إذ هو محل نظره ( إذ سلم من غير اللّه ) بأن يصان من تطرق خيال السوي إليه ، ( وهو