اللّه ، وهو المحجوب عن اللّه إذا صار مستغرقا بغير اللّه وهو المطالب وهو المخاطب وهو المعاتب وهو الذي يسعد بالقرب من اللّه ، فيفلح إذا زكاه ، وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه وهو المطيع بالحقيقة للّه تعالى ، وإنما الذي ينتشر على الجوارح من أنواره ، وهو العاصي المتمرد على اللّه تعالى ، وإنما الساري إلى الأعضاء من الفواحش آثاره ، وبإظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساوئه ، إذ كل إناء ينضح بما فيه وهو الذي إذا عرفه الإنسان فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه فقد عرف ربه ، وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه ، وإذا جهل نفسه فقد جهل ربه ، ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل إذا أكثر الخلق جاهلون بقلوبهم وأنفسهم ، وقد حيل بينهم وبين أنفسهم فإن اللّه يحول بين المرء وقلبه . وحيلولته بأن يمنعه عن مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن وأنه كيف يهوي مرة إلى أسفل السافلين
شرح
المحجوب عن اللّه إذا صار مستغرقا بغير اللّه ) ومن المعلوم ان المستطرق في شيء ينصرف نظره عن سواه فلا يتوارد الاشتغالان على مورد واحد بحسب الكمال ، ( وهو المطالب وهو المخاطب وهو المعاتب و ) هو ( المعاقب وهو الذي يسعد ) ويبقى ( بالقرب من اللّه تعالى فيفلح إذا زكاه ) أي طهره من دنس الأغيار ، ( وهو الذي يخيب ويشقى إذا دنسه ودساه ) أي أخفاه والأصل دسسه أشار بذلك إلى قوله تعالى :قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها[ الشمس : 9 ، 10 ] ( وهو المطيع ) المتخاشع ( بالحقيقة للّه ، وإنما الذي ينتشر على الجوارح من العبادات أنواره وتجلياته ووارداته ، وهو العاصي المتمرد على اللّه ، وإنما الساري إلى الأعضاء من الفواحش ) والمعاصي ( آثاره وباظلامه واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساوئه إذ كل إناء يترشح بما فيه ) وهو من الأقوال المشهورة على الألسنة ، ويروى :
كل إناء بما فيه يطفح ، ( وهو الذي إذا عرفه الانسان فقد عرف نفسه ، وإذا عرف نفسه عرف ربه ) معرفة تليق بمقام العارف . وهذا القول يحكي عن يحيى بن معاذ الرازي يعني من قوله كذا قاله أبو المظفر بن السمعاني ، وكذا قال النووي أنه لا يعرف مرفوعا . وقيل في تأويله من عرف نفسه بالحدوث عرفه ربه بالبقاء ، ومن عرف نفسه بالفناء عرف ربه بالبقاء ، ( وهو الذي إذا جهله الإنسان فقد جهل نفسه ، وإذا جهل نفسه جهل ربه ، ومن جهل قلبه فهو بغيره أجهل ) ضرورة إذ منشأ أصل المعرفة هو القلب فمن لم يعرفه لم يذق أصل المعرفة فلا يهتدي لمعرفة غيره بطريق الأولى ، ( وأكثر الخلق ) إذا تأملت حالهم ( جاهلون بقلوبهم وأنفسهم وحيل بينهم وبين أنفسهم ) فحجبوا عن إدراك سرها ( و ) إليه الإشارة بقول اللّه تعالى :وَاعْلَمُوا ( أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ[ الأنفال : 24 ] ( وحيلولته بأن يمنعه من مشاهدته ومراقبته ومعرفة صفاته وكيفية تقلبه بين إصبعين من أصابع الرحمن ) تقدم الكلام عليه في قواعد العقائد ، ومن ذلك تقلبه في اليوم سبع مرات كما رواه البيهقي من حديث