تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 357

مساهمون:

ص٣٥٧
ضروريا ثم لا يتمارى في تواتر القرآن وهي المعجزة الكبرى الباقية بين الخلق ، وليس لنبي معجزة باقية سواه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ تحدى بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلغاء الخلق وفصحاء العرب
شرح
كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار في الجملة ولا يحفظ عن أحد من أصحابه مخالفة الراوي فيما حكاه من ذلك ولا إنكار عليه فيما هنالك ، فيكون الساكن منهم كالناطق لأن مجموعهم محفوظ عن الأغضاء على الباطل ، وعلى تقدير أنه يوجد من بعضهم إنكار أو طعن على بعض من روى شيئا من ذلك ، فإنما هو من جهة توقف في صدق أو تهمته بكذب أو توقف في ضبطه أو نسبة إلى سوء الحفظ أو جواز الغلط ، ولا يوجد أحد منهم طعن في المروي كما وجد منهم في غير هذا الفن من الأحكام وحروف القرآن ونحو ذلك ، واللّه أعلم . ( ثم لا يتماري في تواتر القرآن وهو المعجزة الكبرى الباقية بين الخلق وليس لنبي معجزة باقية سواه صلّى اللّه عليه وسلّم ) . اعلم أن وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر ، ولكن قرر فيه بعضهم على ستة أوجه . أحدها : أن وجه إعجازه هو الإيجاز والبلاغة مثل قوله :وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ[ البقرة : 179 ] فجمع في كلمتين عدد حروفهما عشرة أحرف معاني كلام كثير ، وحكى أبو عبيد إن اعرابيا سمع رجلا يقرأفَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ[ الحجر : 94 ] فسجد وقال : سجدت لفصاحة هذا الكلام ، وسمع الآخر رجلا يقرأفَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا[ يوسف : 80 ] فقال : أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام ، ومن ذلك قوله تعالى :وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ[ القصص : 7 ] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين . والثاني : أن إعجازه هو الوصف الذي صار به خارجا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع فلا يدخل في شيء منها ولا يختلط بها مع كون ألفاظه وحروفه جنس كلام العرب ومستعملة في نظمهم ونثرهم ، ولذلك تحيرت عقولهم وتدلهت أحلامهم ولم يمتدوا إلى مثله في جنس كلامهم . الثالث : أن وجه إعجازه وهو أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه ، بل الإكباب على تلاوته تزيده حلاوة وتوجب له محبة وطلاوة ، ولا يزال غضا رطبا وغير من الكلام ، ولو بلغ في الحسن والبلاغة يمل من ترديده ويعادي إذا أعيد . الرابع : أن وجه إعجازه هو ما فيه من الأخبار بما كان مما علموه ومما لم يعلموه ، فإذا سئلوا عنه عرفوا صحته وتحققوا صدقه . الخامس : أن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب والإخبار بما يكون فيوجد على صدقه وصحته . السادس : أن وجه إعجازه هو كونه جامعا لعلوم كثيرة لم يتعاط العرب الكلام فيها ولا يحيط
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 357 | مرتضى الزبيدي