تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠
وغربا قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر ، وقد انقرض اليوم قريب من خمسمائة سنة فلم يقدر أحد على معارضته . فأعظم بغباوة من ينظر في أحواله ، ثم في أقواله ، ثم في أفعاله ، ثم في أخلاقه ، ثم في معجزاته ، ثم في استمرار شرعه إلى الآن ثم في انتشاره في أقطار العالم ، ثم في إذعان ملوك
شرح
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَإلى قوله :الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَفقال : ما أحسن هذا وأجمله وكل كلامه مثل هذا . قال : يا أبت وأحسن من هذا . ( ثم انتشر ذلك بعده في أقطار العالم شرقا وغربا قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر وقد انقرض اليوم قريب من خمسمائة سنة ) فإن تأليفه لهذا الكتاب كان قبل دخول القرن السادس وهذا على أن المراد بالقرن مائة سنة ومنهم من قال القرن خمس وسبعون على ما نقله صاحب القوت ، ( فلم يقدر أحد على معارضته ) بلى قد رام قوم من أهل الزيغ والإلحاد أوتوا طرفا من البلاغة وحظا من البيان أن يصنعوا شيئا يعارضون به القرآن ، فلما وجدوه مكان النجم من يد المتناول مالوا إلى السور القصار كسورة الكوثر والنصر وأشباههما لوقوع الشبهة على الجهال لقلة عدد حروفه لأن العجز إنما يقع في التأليف والاتصال ، وممن رام ذلك من العرب بالتشبيه بالسور القصار مسيلمة الكذاب فقال : يا ضفدع نقي كم تنقين أعلاك في الماء وأسفلك في الطين لا الماء تكدرين ولا الشراب تمنعين ، فلما سمع أبو بكر رضي اللّه عنه هذا قال : إنه لكلام لم يخرج من آل أي من ربوبية . وقال أيضا في معارضة والنازعات والبادرات زرعا والحاصدات حصدا والذاريات قمحا والطاحنات طحنا والحافرات حفرا والثاردات ثردا واللاقمات لقما لقد فضلتم على أهل الوبر وما سبقكم أهل المدر ، وقال أيضا : ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى أخرج من بطنها نسمة تسعى من بين شراسيف وأحشا . وقال أيضا : الفيل وما الفيل وما أدراك ما الفيل له ذنب وثيل ومشفر طويل وإن ذلك من خلق ربنا لقليل وغير ذلك من الهذيان ففيها مع قلة الحروف من السخافة ما لا خفاء به على من لا يعلم فضلا عمن يعلم . وحكي عن يحيى بن حكيم الغزالي وكان بليغ في زمانه أنه قد رام شيئا من هذا فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها وينسج بزعمه على مناولها فاعترته منه خشية ورقة حملته على التوبة والإنابة . وحكى أيضا أن ابن المقفع وكان أفصح أهل وقته طلب ذلك ورامه ونظم كلاما فجعله مفصلا وسماه سورا فاجتاز يوما بصبي يقرأ في المكتب قوله تعالى :وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُالآية [ هود : 44 ] فرجع ومحا ما عمل وقال : أشهد أن هذا لا يعارض أبدا وما هو من كلام البشر . ( فأعظم بغباوة ) أي جهل ( من ينظر ) بعين البصيرة ( في أحواله ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( ثم في أقواله ثم في أفعاله ثم في أخلاقه ) وسجياته وشمائله ( ثم في معجزاته ) الكثيرة المشهورة ، ( ثم في استمرار