تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 358

مساهمون:

ص٣٥٨
وجزيرة العرب حينئذ مملوءة بآلاف منهم والفصاحة صنعتهم وبها منافستهم ومباهاتهم . وكان ينادي بين أظهرهم : أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور مثله ، أو بسورة من مثله ان شكوا فيه ، وقال لهم :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
[ الإسراء : 88 ] ، وقال ذلك تعجيزا لهم فعجزوا عن ذلك وصرفوا عنه حتى عرضوا أنفسهم للقتل ونساءهم وذراريهم للسبي ، وما استطاعوا أن يعارضوا ولا أن يقدحوا في جزالته وحسنه ، ثم انتشر ذلك بعده في أقطار العالم شرقا
شرح
بها من علماء الأمم واحد منهم ، ولا يشتمل عليها كتاب . فهذه ستة أوجه يصح أن يكون كل واحد منها إعجازا فإذا جمعها القرآن فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزا بأولى من غيره فيكون الإعجاز بجميعها . ( إذ تحدى بها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بلغاء الخلق وفصحاء العرب وجزيرة العرب حينئذ مملوءة بالآلاف منهم والفصاحة صنعتهم وبها منافستهم ومباهاتهم ) أي مفاخرتهم مع توفر دواعيهم ، ( وكان ينادي بين أظهرهم أن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله أو بسورة من مثله إن شكوا ، وقال لهملَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراًأي معينا ومساعدا . ( وقال ذلك تعجيزا لهم فعجزوا عن ذلك ) أي عن الإتيان بشيء منه ( وصرفوا عنه ) ونكلوا . قال بعض العلماء : إن الذي أورده صلّى اللّه عليه وسلّم على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية وأوضح في الدلالة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورؤساء البيان والمتقدمين في اللسان بكلام مفهوم المعنى عندهم ، وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه ، ولا في إبراء الأكمه والأبرص ولا يتعاطون علمه ، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة ، فدل على أن العجز عنه إنما كان ليصير علما على رسالته وصحة نبوته ، وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح ، وقال أبو سليمان الخطابي : وقد كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم من عقلاء الرجال عند أهل زمانه ، بل هو أعقل خلق اللّه تعالى على الإطلاق ، وقد قطع القول فيما أخبر به عن ربه بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به ، فقال : فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فلو لا علمه بأن ذلك من عند اللّه علام الغيوب ، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف وإلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يكون اه . وهذا أحسن ما يقال في هذا المجال وأبدعه وأكمله ، فإنه نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة وبالتقصير قبل بلوغ الغرض في المناقضة صارخا بهم على رؤوس الأشهاد فلم يستطع أحد منهم الإلمام به مع توفر الدواعي وتظاهر الاجتهاد ، ( حتى عرضوا أنفسهم ) الأبية ورضيت هممهم السرية ( للقتل ) وسفك الدماء ( و ) عرضوا ( نساءهم وذراريهم للسبي ) والهتك ( وما استطاعوا أن يعارضوا ) شيئا منه ، ( ولا أن يقدحوا في جزالته وحسنه ) وقد ورد من
إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 358 | مرتضى الزبيدي