الرجل قتل نفسه وهذه كلها أشياء الهية لا تعرف البتة بشيء من وجوه تقدمت المعرفة بها لا بنجوم ولا بكشف ولا بخط ولا بزجر ، لكن بإعلام اللّه تعالى له ووحيه إليه .
شرح
بها ، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : يا رسول اللّه صدق اللّه حديثك قد انتحر فلان فقتل نفسه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « يا بلال قم فأذن لا يدخل الجنة إلا مؤمن وإن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » قال البخاري تابعه معمر عن الزهري . قال البيهقي : ومن ذلك الوجه وقال يونس عن الزهري حنين وفي آخر هذا الحديث كالدلالة على أن الرجل استحل قتل نفسه أو علم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم منه نفاقا .
وأما حديث سهل بن سعد : فرواه البخاري عن عبد اللّه بن مسلمة عن عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد ، وأخرجه هو ومسلم من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم ، وأخرجه الإسماعيلي في الصحيح ، وفي طريقه البيهقي في الدلائل عن الحسن بن سفيان والقاسم قالا :
حدثنا محمد بن الصباح واللفظ له قال : حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم ولفظه : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم التقى هو والمشركون في بعض مغازيه فاقتتلوا فمال كل قوم إلى عسكرهم ، وفي المسلمين رجل لا يدع للمشركين شاذة ولا فاذة إلا أتبعها يضربها بسيفه فقيل : يا رسول اللّه ما أجزى أحد اليوم ما أجزى فلان . فقال : « أما أنه من أهل النار » فقال رجل : واللّه لا يموت على هذه الحال أبدا فاتبعه كلما أسرع أسرع ، وإذا أبطأ أبطأ معه حتى جرح فاشتدت جراحته واستعجل الموت فوضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه ثم تحامل عليه فقتل نفسه ، فجاء رجل إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : أشهد أنك لرسول اللّه . قال : « وما ذاك » فأخبره بالذي كان من أمره ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وإنه من أهل النار ، وإنه يعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وإنه من أهل الجنة » .
قلت : واختلف في اسم هذا الرجل فقيل : هو قزمان بن الحرث حليف بني مظفر ، قال ابن قتيبة في المعارف : هو الذي قتل نفسه وكان منافقا وفيه قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » وقال غيره : إن هذا الرجل قتل نفسه يوم أحد ، وقيل أنه صرح بالكفر . وذكر ابن إسحاق والواقدي قصته أنه كان شجاعا معروفا في حروبهم وأنه لما أصابته الجراح قيل له :
هنيئا لك يا أبا الغيداق بالجنة . قال : واللّه ما قتلنا إلا على الأحساب وأنه قتل نفسه وبمجموع ما ذكرنا يظهر أن القصة تعددت ، واللّه أعلم .
( وهذه كلها أشياء لا تعرف البتة بشيء من وجوه تقدمت المعرفة بها لا بنجوم ولا بكتف ولا بخط ولا بزجر ) كما كانت أهل الجاهلية تفعله ، فكان بعضهم ينظر في النجوم وما في أحكامها من التسديس والتثليث والتربيع والمقابلة ، ومنهم من ينظر في الكتف فيخبر عن حوادث كونية ، ومنهم من يخط على الرمل خطوطا فيخبر به عن غائب ، ومنهم من يزجر الطيور والسوانح والبوارح فيخبر بها عن أمور ستقع ، وكل ذلك حرمها الشارع وأبطل الاشتغال بها . ( لكن بإعلام اللّه تعالى له ) وتعريفه إياه ( ووحيه إليه ) .