تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين — صفحة 311

مساهمون:

ص٣١١
فمن أين حصل له محاسن الأخلاق والآداب ومعرفة مصالح الفقه مثلا فقط دون غيره من العلوم فضلا عن معرفة اللّه تعالى وملائكته وكتبه وغير ذلك من خواص النبوّة لولا صريح الوحي ؟ ومن أين لقوّة البشر الاستقلال بذلك ؟ فلو لم يكن له إلا هذه الأمور الظاهرة لكان فيه كفاية . وقد ظهر من آياته ومعجزاته ما لا يستريب فيه محصل ، فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار واشتملت عليه الكتب الصحيحة إشارة إلى مجامعها من غير تطويل بحكاية التفصيل . فقد خرق اللّه العادة على يده غير مرة ؛ إذ شق له القمر بمكة لما سألته قريش آية ،
شرح
يكن عنده ما يستميل به القلوب من مال فيطمع فيه ولا قوّة يتقهر بها الرجال ولا أعوان على الرأي الذي أظهره والدين الذي دعا إليه ، وكانوا يجتمعون على عبادة الأصنام وتعظيم الأزلام مقيمين على عصبية الجاهلية والتقادم والتباغي وسفك الدماء وشن الغارات لا يجمعهم ألفة دين ولا يمنعهم من سوء أعمالهم نظر في عاقبة ولا خوف عقوبة ولا أئمة . ( فمن أين حصل له ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( محاسن الأخلاق ) وجميل الشيم ( و ) معالي ( الآداب ومعرفة مصالح الفقه ) في الدين ( مثلا فقط دون غيره من العلوم فضلا عن معرفته باللّه ) تعالى حق المعرفة ( وملائكته وكتبه ) ورسله ، ( وغير ذلك من خواص النبوّة لولا صريح الوحي ) المنزل من السماء ؟ ( ومن أين للبشر الاستقلال بذلك ) فإن قواه تعجز عن حمل مثل ذلك ثم بعد تلك المعاداة منهم والمخالفات لم يزل بهم بحسن سياسته حتى ألف بين قلوبهم وجمع كلمتهم حتى اتفقت الآراء وتباصرت القلوب وترادفت الأيدي ، فصاروا إلفا واحدا في نصرته وهجروا بلادهم وأوطانهم في محبته وبذلوا مهجهم في نصرته ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته بلا أموال أفاضها عليهم ولا عرض في العاجل أطمعهم في نبل يرجونه ، فهل يلتئم مثل هذه الأمور أو يتفق مجموعها لأحد هذا سبيله من قبيل الاختيار العقلي والتدبير الفكري ؟ ( فلو لم يكن له ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( إلا هذه الأمور الظاهرة لكان فيه كفاية ) ومقنع ، ( وقد ظهر من آياته ومعجزاته ما لا يستريب ) أي لا يشك ( فيه محصل ، فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار ) أي اشتهرت ( واشتملت عليه الكتب الصحاح ) والحسان ( إشارة إلى مجامعها من غير تطويل بحكاية التفصيل ) والاشتغال بذكر الإسناد والتخريج ، ( فقد خرق اللّه العادة على يده غير مرة إذ شق له القمر بمكة لما سألته قريش آية ) على صدقه . اعلم أن معجزاته صلّى اللّه عليه وسلّم كثيرة وهي أخص الشمائل وأكملها وأشرفها وأعمها القرآن ، وسيأتي الكلام عليه في آخر الباب ، وأما غيره فمنه ما وقع التحدي به وهو طلب المعارضة والمقابلة ومنه ما وقع بدون طلب ولا ينافي تسميته معجزة إذ التحدي شرط فيها لأنا نقول هو شرط فيها من حيث الجملة لا في كل من جزئياتها ، وبهذا يرد ما أورد على مشترط ذلك كالباقلاني مما شنع به جمع عليه وأطالوا وهي إما قبل نبوّته كقصة الفيل والنور الذي أخرج معه حتى أضاء له قصور